كُتاب الرأي

استثمار لا يُرى

استثمار لا يُرى

سلطان عيد المرشدي

شكا إليّ أحد الأصدقاء تزايد الأعباء المالية الناجمة عن متطلبات أسرته، واقتطاع جزء كبير من دخله، بالرغم من ارتفاع مرتبه الشهري. تحدثت إليه بكل شفافية عن أوجه المصروفات، وعدم استعانته ببعض خطط ضبط الميزانية، وكذلك الادخار والاستثمار ، والاستثمار احفظوا هذه الكلمة جيداً، فهي مناط المقال من أوله إلى آخر سطر فيه. بحثنا عن منفذ ومنقذ يخفف عنه وطأة الالتزامات المالية، وكان أقرب باب يمكن من خلاله أن يعيد التوازن المالي لحياته وحياة أسرته هو تقنين ما يصرفه من رسوم دراسية لتعليم أبنائه في إحدى المدارس الأهلية العالمية التي التحقوا بها منذ نعومة أظفارهم ، وجدت ضالتي في سياق هذا الحديث، وأشرت عليه بأن يعيد النظر في مصروفاته، خاصة ما يدفعه لتعليم أبنائه، وأن ينقلهم إلى مدرسة حكومية ، تخفيفًا للأعباء المالية التي أثقلت كاهله . نظر إليّ نظرةً لم أنسها، ثم قال: كل شيء أستطيع التقشف فيه، حتى الأكل والشرب، إلا هذا الباب ، فأنا لا أعدّه مصروفًا شهريًا، بل مشروع المستقبل بالنسبة لي ولأبنائي. أريدهم أن ينالوا تعليمًا متميزًا، وأن تكون لهم غدًا مكانتهم العلمية والاجتماعية، وهذا وحده يكفيني .انتهى حديثنا، لكن عبارته لم تنتهِ في ذهني.

لقد كنت أنظر إلى أقساط تعليمهم باعتبارها مصروفًا يمكن توفيره، بينما كان ينظر إليها باعتبارها استثمارًا لا يمكن التفريط فيه. كنت أبحث له عن فائضٍ في نهاية الشهر، وكان يبحث لأبنائه عن مستقبلٍ يمتد إلى ما بعد عمره. كنت أحسب ما يخرج من راتبه، وكان يحسب ما سيدخل إلى عقول أبنائه، فالعبرة بفلسفة الأب الذي رأى في تعليم أبنائه أولويةً تستحق التضحية، وفي اختياره مدرسةً ترتقي بعقول أبنائه ، وهنا أدركت أن بعض الاستثمارات لا تُرى. فليس كل استثمار عقارًا يُشترى، أو سهمًا يُتداول، أو مشروعًا تُحسب أرباحه في نهاية العام. هناك استثمارات لا تظهر في كشوف الحسابات، ولا ترصدها مؤشرات الأسواق، لكنها قد تكون أعظم ما يصنعه الإنسان في حياته ، إن الاستثمار في الإنسان هو المشروع الذي لا يمكن اختزال عوائده في أرقام، فالأب الذي ينفق من ماله ووقته وجهده لتعليم أبنائه لا يشتري لهم شهاداتٍ تُعلّق على الجدران، بل يمنحهم مفاتيح المستقبل، ويضع بين أيديهم أدوات المعرفة التي تعينهم على مواجهة الحياة. لقد علّمني ذلك الموقف أن الإنسان قد يكون محدود الدخل، لكنه واسع الرؤية، وقد تضيق به مصروفات الحاضر، بينما تتسع أمامه آفاق المستقبل. إننا نعيش في زمن أصبحت فيه لغة الأرباح والخسائر المادية تطغى على كثيرٍ من قراراتنا، حتى بتنا نحسب العائد من العقارات والأسهم، لكننا قلّما نسأل أنفسنا ما العائد من تعليم أبنائنا؟ وما الأرباح التي نجنيها حين نغرس في عقولهم المعرفة، وفي نفوسهم الثقة، وفي سلوكهم الأخلاق؟ إن أعظم المشروعات تُبنى داخل عقل طفل يجلس اليوم على مقعد الدراسة، ويحمل غدًا فكرةً تغيّر حياة مجتمع بأكمله. وكم من أب رحل عن الدنيا ولم يترك لأبنائه عقارات ولا أرصدةً مصرفية، لكنه ترك لهم علمًا أصبح مصدر رزقهم، وتربيةً صارت ميزان أخلاقهم، وثقةً بالنفس كانت سلاحهم في مواجهة الحياة.

إن الاستثمار في الأبناء لا يقتصر على دفع الرسوم الدراسية، بل يبدأ من كلمةٍ يسمعها الطفل، وقيمةٍ يراها في سلوك والديه، وتشجيع يعيد إليه ثقته حين يتعثر. فالتعليم يصنع المعرفة، والتربية تمنحها الاتجاه، والأخلاق تحرس ما يصنعه الاثنان ، وأخيرًا، أدركت من حديث صديقي أن بعض الناس ينظرون إلى المال باعتباره ثروةً يجب الاحتفاظ بها، بينما ينظر إليه آخرون باعتباره وسيلةً لصناعة ثروةٍ أعظم، هي الإنسان. فالعقارات قد تُباع، والأسهم قد تخسر، والأموال قد تنفد، أما الاستثمار في الإنسان فقد تظل أرباحه تتوالد حتى بعد رحيل صاحبه.

لقد حفظنا أسماءً عبر التاريخ لم تكن لأصحابها ثروات طائلة أو عقارات هنا وهناك، بل عرفناهم بعلمهم ومكانتهم وما نقلوه إلينا من معارف فهذا في الطب، وذاك في الفلسفة.

أخبرك بأمر ارجع واقرأ سيرة الإمام الشافعي رحمه الله ، وكيف استثمرت والدته في تعليمه وتربيته، حتى أصبح أحد أئمة المذاهب الأربعة، وبات اسمه على رؤوس الأشهاد. وأختصر عليك الأمر فلقد كتبت سيرته في إصداري الأول آصِرة لعله يغنيك عن عناء البحث ، وفي المقابل، لم نعرف من أصحاب الأموال عبر التاريخ إلا القليل ممن ارتبطت ثرواتهم بإنجازٍ آخر خلّد أسماءهم في الذاكرة .

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

مستشار اسري ، صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.