من طرائف الحج!!

من طرائف الحج!!
بقلم: بكري عساس
«من طرائف الحج» كتابٌ للدكتور عثمان أبو زيد، جمع فيه مؤلفه عدداً من المواقف والنوادر التي صادفت الحجاج أثناء أدائهم هذه الفريضة العظيمة. وتتباين تلك المواقف بين المضحك والمحزن، وبين ما يحمل دلالات إيمانية وروحانية. وليس ذلك مستغرباً في موسم يجتمع فيه أناس من مختلف الأعراق والبلدان، وتتباين بينهم العادات والتقاليد ومستويات التعليم والثقافة؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
ومن تلك النوادر قصة رجل جاء إلى الخليفة المأمون، فقال له: «أريد الحج وليس معي نفقة». فأجابه المأمون: «إذن سقط عنك الحج». فصاح الرجل قائلاً: «جئتك طالباً لا مستفتياً!»؛ وهي إجابة طريفة تكشف أن الرجل لم يكن يبحث عن فتوى بقدر ما كان يرجو عوناً يعينه على السفر.
وقد تكون النفقة المشوبة بالحرام أو الشبهات سبباً في حرمان صاحبها من بركة العمل وقبوله. وفي هذا السياق، أورد المؤلف أبياتاً نُسبت إلى أبي الشمقمق، وجاء ذكرها في كتاب «المستطرف» للأبشيهي، تحذّر من الحج بمال غير طيب:
إذا حججتَ بمالٍ أصلُه دَنِسٌ
فما حججتَ، ولكن حجّتِ العيرُ
ما يقبلُ اللهُ إلا كلَّ طيّبةٍ
ما كلُّ من حجَّ بيتَ اللهِ مبرورُ
وكانت الدواب، كالجمال والحمير، قديماً من وسائل النقل الشائعة بين مدن الحج. وينقل المؤلف عن الشيخ علي الطنطاوي حديثه عن رحلته الأولى إلى الحج عام 1953م، إذ قال متعجباً: «هل تصدقون أننا قطعنا الطريق بين جدة ومكة في اثنتي عشرة ساعة؟ وهل تصدقون أنه خرج معنا من جدة أناس يركبون الحمير، فسبقت السيارة الحمار بساعة واحدة فقط؟». صورة تختصر مشقة السفر في ذلك الزمن، وتكشف حجم التحول الذي شهدته طرق الحج ووسائل النقل.
ومن المواقف التي تبرز أهمية العلم والإرشاد، قصة حاج ظل يطوف بالبيت من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر، ظناً منه أن الطائفين يبدؤون الطواف جميعاً وينتهون منه في وقت واحد! ومنها أيضاً قصة حاج ظل واقفاً بعرفة حتى أدركه المساء، فلما سُئل عن سبب ذلك أجاب ببساطة: «أليس اسمه الوقوف بعرفة؟»؛ وهي طرفة تذكّر بأهمية معرفة أحكام المناسك قبل أداء العبادة.
أما ماء زمزم، فقد أورد المؤلف سؤالاً وُجّه إلى الشيخ ابن عرفة: لماذا كان ماء زمزم أفضل المياه مع أنه ليس أعذبها مذاقاً؟ فأجاب على البديهة: «ليكون شربه تعبداً لا تلذذاً»؛ وهي إجابة موجزة تحمل معنى روحانياً جميلاً.
ويختتم المؤلف هذه المجموعة بقصة الحاج الياباني «تاناكا إيبيه»، الذي حج عام 1924م ضمن مجموعة من الحجاج اليابانيين بلغ عددهم خمسة وتسعين حاجاً. وقد واجهوا مشقة بالغة في رحلتهم البحرية إلى جدة، ثم في انتقالهم إلى مكة على ظهور الدواب. ويذكر المؤلف أنه لم يعد سالماً من تلك المجموعة بعد انتهاء الحج سوى ثمانية وعشرين حاجاً، وأن الإرهاق والمرض كانا من أبرز أسباب وفاة كثيرين منهم. إنها شهادة مؤلمة على قسوة الرحلة ومخاطرها في ذلك الزمن.
هذه نماذج قليلة من مواقف وطرائف عاشها الحجاج في رحلاتهم قديماً؛ مواقف تجمع بين العبرة والابتسامة، وتكشف مقدار المشقة التي كان يتكبدها القادمون إلى بيت الله الحرام. وقد تبدلت تلك الأحوال مع بزوغ عهد الدولة السعودية، إذ أُمنت الطرق، وتيسرت السبل، وتطورت وسائل النقل والخدمات، وأصبحت رعاية الحجاج وخدمتهم نهجاً راسخاً يتواصل تطويره عاماً بعد عام. وهكذا لم تعد رحلة الحج كما كانت؛ فقد انتقلت من مشقة السفر ومخاطره إلى منظومة واسعة من الأمن والرعاية والتيسير.
كاتب رأي
