كُتاب الرأينحن طويق

التعليم في المملكة… مسيرة عنايةٍ وبناء

التعليم في المملكة… مسيرة عنايةٍ وبناء

بقلم: بكري عساس

ليس التعليمُ مجرّدَ مدارسَ وجامعاتٍ ومناهجَ دراسية؛ إنّه استثمارٌ في الإنسان، وصناعةٌ للعقول، وبناءٌ للمستقبل. وحين نتأمل مسيرة المملكة العربية السعودية، ندرك أن ما تحقق في هذا القطاع لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤيةٍ بعيدة، وعنايةٍ متواصلة، وإيمانٍ راسخ بأن نهضة الأوطان تبدأ من تعليم أبنائها.

لقد عشتُ مع العلم والتعلُّم والتعليم أكثر من خمسين عاماً، تنقّلت خلالها بين محطاته ومجالاته المختلفة؛ فكنت طالباً في التعليم العام، ثم طالباً جامعياً، ودارساً في برامج الدراسات العليا داخل المملكة، ومبتعثاً للدراسة في الخارج. وعملتُ معلماً في التعليم العام، وأستاذاً جامعياً، ومديراً لشؤون الطلاب في إدارة التعليم، ومستشاراً لرعاية الشباب لشؤون الشباب والرياضة، ثم وكيلاً لجامعة أم القرى للأعمال والإبداع المعرفي، إلى أن تشرفتُ بعد ذلك بتولي إدارة هذه الجامعة العريقة.

كانت هذه الرحلة الطويلة، بما اشتملت عليه من مواقع ومسؤوليات وتجارب، مدرسةً أخرى تعلّمت فيها من المواقف، واستخلصت منها العبر والدروس. وفي كل مرحلة كنت أستشعر أن ما يبلغه الإنسان من نجاح، وما يتاح له من فرص، إنما هو بتوفيق الله وفضله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾.

وأدرك أن الحديث عن التجربة الشخصية قد يلتبس على بعض القراء، فيُفهم على أنه تزكية للنفس أو استعراض للمنجزات، وليس ذلك مرادي؛ فما أوردتُ هذه المحطات إلا من باب استحضار التجربة التي عايشتها، والتحدث بنعمة الله، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿وأما بنعمة ربك فحدّث﴾. ومن خلال هذه التجربة، أجد أن من أبرز ما يستحق التوقف عنده العناية الكبيرة التي حظي بها التعليم في المملكة على امتداد عهود ملوكها.

لقد عاصرتُ خلال هذه المسيرة خمسةً من ملوك المملكة، ورأيتُ، كلٌّ من موقع عملي ومسؤوليتي في حينه، آثار اهتمامهم بالتعليم وحرصهم على تطويره. وقد ظل هذا الاهتمام حاضراً في السياسات والخطط والميزانيات، انطلاقاً من إدراكٍ عميق بأن التعليم ليس خدمةً آنية، بل ركيزةٌ أساسية لبناء الدولة، وتعزيز قدراتها، وإعداد أجيالها للمشاركة في صناعة مستقبلها.

وقد انعكست هذه العناية في اتساع مؤسسات التعليم العام، وانتشار الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، وتزايد أعداد المتخصصين وحملة الشهادات العليا. فبعد أن كانت فرص التعليم محدودة في مراحل مبكرة من تاريخ البلاد، أصبحت المملكة اليوم تمتلك منظومة تعليمية واسعة، تضم آلاف المدارس ومؤسسات التعليم، وعشرات الجامعات والكليات، وكفاءات علمية وبحثية أسهمت في حضور الجامعات السعودية وأساتذتها في ميادين المنافسة والتعاون على المستوى العالمي.

وليس المقصود من استذكار هذه المنجزات الاكتفاء بما تحقق؛ فالتعليم بطبيعته مشروعٌ متجدد، لا يتوقف عند مرحلة أو إنجاز. إنما المقصود أن نعرف قيمة الطريق الذي قطعناه، وأن نواصل البناء بثقة، مستفيدين من التجارب، ومواكبين للتحولات العلمية والتقنية، وموائمين بين مخرجات التعليم واحتياجات المجتمع وسوق العمل.

وإذا كانت هذه الرحلة قد علّمتني شيئاً، فهو أن الاستثمار في الإنسان هو أبقى الاستثمارات أثراً، وأن المدرسة والجامعة ليستا مبنيين فحسب، بل فضاءان لصناعة الوعي والقدرة والطموح. وما شهدته المملكة من تطور تعليمي يبعث على الاعتزاز، ويحمّلنا في الوقت نفسه مسؤولية المحافظة على مكتسباته والارتقاء به. نسأل الله أن يديم على بلادنا نعمة الأمن والازدهار، وأن يوفق القائمين على التعليم لمواصلة رسالتهم؛ فبالعلم تُبنى الأوطان، وبالعقول الواعية تُصان منجزاتها وتُفتح أمامها آفاق المستقبل.

كاتب رأي 

 

#نحن_طويق

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.