كُتاب الرأي

6000 ريال للتوطين

6000 ريال للتوطين

هل يعيد القطاع الخاص حساباته أم يعيد ترتيب أولوياته؟

الدكتورة جواهر الروقي 

ليس كل قرار اقتصادي يُقاس أثره بما يضيفه إلى دخل الفرد فحسب، فبعض القرارات تكشف طريقة تفكير المؤسسات، وتختبر قدرتها على التكيف، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول قيمة الإنسان في سوق العمل ، جاء التوجيه الملكي الكريم برفع الحد الأدنى للأجر المحتسب للعامل السعودي كاملًا في نسب التوطين ضمن برنامج «نطاقات» إلى 5000 ريال، ثم إلى 6000 ريال في مرحلة لاحقة، ليحمل رسالة تتجاوز الرقم المالي؛ رسالة تتعلق بجودة الوظائف، واستقرار الكوادر الوطنية، والانتقال من مجرد تحقيق نسب التوطين إلى بناء فرص عمل أكثر استدامة.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس فقط: ماذا سيكسب الموظف من هذا التوجه؟ بل: ماذا ستفعل بعض منشآت القطاع الخاص أمام هذا التحول؟
فلا شك أن القرار يحمل أثرًا إيجابيًا على العاملين السعوديين، ويعزز من قيمة العمل الوطني، إلا أن بعض المنشآت قد تنظر إليه من زاوية أخرى، باعتباره ارتفاعًا في التكلفة التشغيلية، لا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة، أو تلك التي تعتمد في بنيتها التشغيلية على أعداد كبيرة من الموظفين ذوي الأجور المحدودة.

وهنا تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي للإدارة ، فهل ستتعامل بعض المنشآت مع القرار باعتباره فرصة لإعادة تنظيم مواردها البشرية، أم ستبحث عن سياسات جديدة لتقليل أثره المالي؟ وهل ستتجه إلى تقليص الوظائف، أو إعادة توزيع المهام، أو التوسع في التعاقدات الجزئية والمرنة، أو تجميد الاستقطاب، أو إعادة هيكلة الرواتب والمسميات الوظيفية؟

هذه احتمالات تستحق أن تكون موضع مراقبة ودراسة، لا اتهامات مسبقة للقطاع الخاص؛ فليس كل صاحب منشأة قادرًا على تحمل التكاليف بالدرجة نفسها، كما أن ليس كل قرار برفع تكلفة العمل يعني بالضرورة تراجعًا في فرص التوظيف ، لكن من المهم ألا يتحول التكيف مع القرار إلى ممارسات تفرغ هدفه من مضمونه؛ كأن يصبح الاهتمام منصبًا على كيفية احتساب الموظف في نطاقات، بدلًا من الاهتمام بوظيفته الفعلية، أو أن تتغير المسميات الوظيفية دون أن تتغير المسؤوليات، أو أن يُعاد توزيع الأجور بطريقة شكلية لا تحقق تحسنًا حقيقيًا في دخل العامل واستقراره.

إن جوهر التوطين ليس أن نجد اسم المواطن في كشف الرواتب، بل أن نجد أثره في الإنتاج، ومكانه في الهيكل التنظيمي، ومستقبله في مسار التطور الوظيفي ، ومن هنا أرى أن المرحلة القادمة تتطلب تحولًا في الفكر الإداري للموارد البشرية؛ فلا يكفي أن تكون إدارة الموارد البشرية جهة تنفذ العقود وتتابع الرواتب والتأمينات ونسب التوطين، بل يجب أن تكون شريكًا في صناعة القرار المالي والتشغيلي ، فالمنشأة التي تتعامل مع الأجور بوصفها عبئًا ماليًا فقط، قد تبحث عن تقليل عدد العاملين، بينما المنشأة التي تنظر إلى الأجر بوصفه استثمارًا في رأس المال البشري ستبحث عن رفع الإنتاجية، وتحسين توزيع المهام، واستثمار المهارات، وربط الأجر بالقيمة المضافة للوظيفة.

وهنا أقترح منهجية إدارية ينبغي أن تتبناها المنشآت قبل دخول مراحل التطبيق:
أولًا: إعادة قراءة الهيكل الوظيفي :
حصر الوظائف القائمة، وتحديد الوظائف الضرورية للتشغيل، ومراجعة التداخل بين المهام، واكتشاف الوظائف التي يمكن دمجها دون الإضرار بجودة العمل، مع عدم الخلط بين ترشيد الهيكل والاستغناء العشوائي عن الكفاءات.

ثانيًا: تحليل تكلفة القوى العاملة :
إعداد دراسة مالية توضح تكلفة كل وظيفة، والرواتب والبدلات والاشتراكات التأمينية والتكاليف المرتبطة بالتوظيف، وقياس أثر الانتقال إلى مستويات الأجور الجديدة على الميزانية السنوية، بدلًا من انتظار موعد التطبيق ثم التعامل مع الأثر بصورة طارئة.

ثالثًا: إعادة بناء سلم الرواتب :
مراجعة العدالة الداخلية بين الموظفين، وعدم الاكتفاء برفع راتب فئة وإغفال الفئات الأخرى التي تؤدي أعمالًا مماثلة أو تتحمل مسؤوليات أعلى. فالقرارات المتعلقة بالأجور يجب أن تستند إلى تقييم الوظائف والمؤهلات والخبرات والمسؤوليات، لا إلى معالجة رقمية مؤقتة.

رابعًا: ربط الأجر بالإنتاجية والتطوير :
وضع مؤشرات أداء واضحة لكل وظيفة، وقياس حجم الإنجاز وجودة المخرجات، وتطوير قدرات الموظفين حتى يكون تحسين الأجور مصحوبًا بتحسين في الأداء، دون تحويل مؤشرات الأداء إلى وسيلة تعسفية لحرمان الموظف من حقوقه.

خامسًا: دراسة البدائل التشغيلية النظامية :
مراجعة أنماط العمل المناسبة لطبيعة النشاط، بما فيها العمل الجزئي والعمل المرن عند انطباق شروطهما، والاستفادة من برامج دعم التوظيف والتدريب المتاحة، دون اللجوء إلى ترتيبات صورية أو تعاقدات لا تعكس واقع العمل.

سادسًا: إعداد خطة انتقال زمنية :
عدم الانتظار حتى أبريل 2027 أو أبريل 2028، بل البدء من الآن بإعداد سيناريوهات مالية وتشغيلية للمرحلتين، وتحديد الفجوات، والمسؤوليات، والميزانيات، والقرارات التي ينبغي اتخاذها مسبقًا ، هذه ليست مجرد إجراءات موارد بشرية، بل منظومة حوكمة تساعد المنشأة على حماية استدامتها المالية، وفي الوقت نفسه تحافظ على حقوق العاملين وجودة الوظائف.

وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن نجاح هذا التوجه لا يقع على عاتق المنشآت وحدها؛ فالمنظومة تحتاج إلى سياسات مساندة، وبرامج تدريب وتأهيل، وحوافز للتوظيف المنتج، وتدرج مدروس يراعي اختلاف أحجام المنشآت وطبيعة أنشطتها ، كما أن الاستفادة من برامج صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف» يمكن أن تكون أحد المسارات المساندة للمنشآت المؤهلة وفق ضوابط الدعم.

إن التحدي الحقيقي أمام القطاع الخاص ليس في الوصول إلى رقم 5000 أو 6000 ريال، وإنما في بناء نموذج تشغيلي يستطيع دفع هذه الأجور والمحافظة على استدامة الوظائف في الوقت ذاته ، فالموظف الذي يحصل على أجر عادل، ويجد بيئة عمل تحفظ كرامته، ومسارًا مهنيًا يتيح له التطور، سيكون أكثر ارتباطًا بالمنشأة وأكثر قدرة على الإسهام في نجاحها ، أما المنشأة التي تبحث عن أقل تكلفة دون النظر إلى جودة الإنسان الذي تعتمد عليه، فقد توفر اليوم، لكنها قد تدفع غدًا ثمن دوران الموظفين وضعف الإنتاجية وتكرار الاستقطاب.

إننا أمام مرحلة ينبغي أن تنتقل فيها المنشآت من ثقافة احتساب الموظف إلى ثقافة استثماره، ومن إدارة أعداد العاملين إلى إدارة الكفاءات، ومن النظر إلى الرواتب باعتبارها مصروفات إلى فهمها باعتبارها جزءًا من معادلة الإنتاج والاستدامة.

وفي تقديري، ستكشف المرحلة القادمة عن الفرق بين منشأة ترى في التوطين التزامًا رقابيًا تسعى إلى استيفائه، ومنشأة تدرك أنه مشروع تنموي واستثمار طويل الأجل ، فالقرار قد يرفع الحد الأدنى للأجر المحتسب في التوطين، لكن نجاحه الحقيقي سيُقاس بما يحدث داخل بيئة العمل: هل تحسنت جودة الوظائف؟ هل ارتفعت كفاءة العاملين؟ هل أصبحت الرواتب أكثر عدالة؟ وهل تحولت الفرص الوظيفية إلى مسارات مهنية مستقرة؟

فليس المطلوب أن نرفع الأرقام في كشوف الرواتب فحسب، بل أن نرفع معها قيمة العمل، وجودة الإدارة، ومكانة الإنسان في معادلة التنمية.

كاتبة رأي

 

 

الدكتورة جواهر الروقي

أديبة سعودية وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.