كُتاب الرأي

حين يصبح سوء الظن فطنة!

حين يصبح سوء الظن فطنة!

بقلم : د.جواهر الروقي
@joj_alrogi

في موقفٍ مضى، حدث أمرٌ لم تكن جميع تفاصيله واضحة، وكان يكفي أن يُطرح سؤالٌ واحد، أو يُمنح صاحبه فرصةً ليشرح ما حدث، حتى تتضح الصورة ، لكنّ بعض الحاضرين اختاروا طريقًا آخر؛ فسّروا الصمت إقرارًا، والغياب تهرّبًا، والتصرّف العابر دليلًا على نيةٍ خفيّة ، وما إن تكوّنت الرواية في أذهانهم حتى تعاملوا معها كأنها حقيقة لا تقبل النقاش ، وعندما ظهرت التفاصيل لاحقًا، تبيّن أن ما بُني عليه الحكم لم يكن سوى ظنونٍ ألبست ثوب اليقين، وأن ما ظنّوه فطنةً لم يكن إلا استعجالًا في الحكم على الآخرين.

ومن هنا يبدأ السؤال: متى أصبح سوء الظن علامةً على الذكاء، وحسن الظن دليلًا على السذاجة؟ ومتى تحوّل تفسير النوايا إلى مهارةٍ يتباهى بها البعض، وكأنهم يملكون مفاتيح القلوب ويعرفون ما تخفيه الصدور؟

لقد أصبحنا نعيش زمنًا لا يكتفي فيه بعض الناس بسماع الكلام، بل يبحثون عمّا وراءه، ولا يكتفون بمشاهدة المواقف، بل ينسجون حولها حكاياتٍ من عند أنفسهم؛ فإن تأخّر أحدهم قالوا: يتعمّد التجاهل، وإن صمت قالوا: يخفي شيئًا، وإن بادر قالوا: له غاية، وإن أحسن قالوا: يريد مقابلًا. وهكذا يجد الإنسان نفسه متهمًا في كل أحواله؛ إن فعل أُوِّل فعله، وإن لم يفعل أُوِّل صمته، وكأن المطلوب منه ليس أن يكون صادقًا، بل أن ينجح في اجتياز محاكمةٍ لا يعرف أسئلتها ولا يملك حقّ الإجابة عنها.

وليس الخلل في الحذر ذاته؛ فالعاقل لا يمنح ثقته بلا بصيرة، ولا يتجاهل القرائن الواضحة، ولا يترك حقوقه عرضةً للاستغلال. لكنّ الخلل أن يتحوّل الحذر إلى اتهامٍ دائم، وأن تصبح التجارب السابقة عدسةً سوداء نرى من خلالها كل الوجوه، وأن يُحاسَب إنسانٌ على خطأ ارتكبه غيره، أو يُدان بموقفٍ لم تُعرف أسبابه بعد ، فالحيطة تحميك من الضرر، أما سوء الظن فيجعلك تصنع الضرر قبل أن يقع.

ولنا في المنهج النبوي ميزانٌ لا يختل؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. لم تأتِ الآية لتلغي التبصّر أو تدعو إلى الغفلة، وإنما لتضع حدًّا لذلك الظن الذي يتحوّل إلى إثمٍ حين يُبنى على الوهم، ويُسيء إلى الناس دون بيّنة ، وفي السنة النبوية، قال رسول الله ﷺ: «إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»؛ متفق عليه. وهذا توجيهٌ عظيم إلى ألا نجعل الاحتمالات حقائق، ولا نسمح للشك أن يسبق الدليل، ولا نمنح مخاوفنا سلطة إصدار الأحكام على الآخرين ، فالرسول ﷺ لم يربِّنا على السذاجة، بل على عدلٍ يضبط الشك، وورعٍ يمنع اللسان من الخوض في النيات، وحكمةٍ تفرّق بين ما نعرفه وما نتوهّمه.

وما أجمل أن نتأمل سيرة النبي ﷺ حين واجهه الناس بمواقف ملتبسة، فكان ميزان التعامل هو العدل والرحمة والتحقّق، لا إطلاق الأحكام بناءً على الظواهر وحدها أو اتّباع ما تمليه النفوس من مخاوف ، إن المنهج النبوي لا يطلب منك أن تُسلّم لكل أحد، بل ألّا تظلم أحدًا؛ ولا أن تُغلق عينيك عن الخطأ، بل ألّا تتهم قبل أن يتبيّن لك وجه الحق.

ولعلّ أشدّ صور سوء الظن قسوةً تلك التي تقع بين من تربطهم عشرةٌ طويلة؛ حين تُمحى سنواتٌ من المواقف الصادقة بسبب لحظةٍ غامضة، ويُنسى المعروف أمام تفسيرٍ محتمل، ويصبح الإنسان مضطرًّا إلى تبرير كل تصرّفٍ كي يثبت أنه لم يقصد ما تخيّله الآخرون ، عندها لا تكون المشكلة في موقفٍ واحد، بل في علاقةٍ فقدت أمانها؛ لأنّ من يعيش متهمًا طوال الوقت لا يستطيع أن يعيش مطمئنًا، ومن يضطر إلى الدفاع عن نيّته في كل مرة، يتعب من إثبات شيءٍ لا يراه الآخر أصلًا.

ولسوء الظن ثمنٌ لا يُرى في بدايته؛ فقد يهدم ثقةً بُنيت في أعوام، ويقطع مودةً لم تكن تستحق النهاية، ويزرع في النفوس جفاءً يبدأ بتأويل كلمة، ثم يكبر حتى يصبح قطيعةً كاملة ، والمؤلم أن بعض الناس لا يعتذرون حين تتكشف الحقيقة، ولا يعيدون للآخر اعتباره بعد أن ظلموه، بل يمضون وكأن شيئًا لم يحدث؛ بينما يبقى في نفس المظلوم أثرُ اتهامٍ لم يستحقه، ووجعُ صورةٍ مشوّهة لم يكن حاضرًا حين رُسمت.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نبحث عن الحقيقة فعلًا، أم نبحث عمّا يؤكد شكوكنا؟ هل نمنح الآخرين فرصةً للفهم، أم ننتظر منهم زلّةً تثبت أننا كنا على صواب؟ وهل نريد أن نكون أصحاب بصيرة، أم أصحاب أحكامٍ لا تتراجع حتى أمام الحقيقة؟

إن الفطنة الحقيقية ليست أن تكتشف سوء النية في كل إنسان، بل أن تعرف متى تتأنّى، ومتى تتحقّق، ومتى تحفظ حقّك دون أن تنتقص من حقّ غيرك ، وليست القوة أن تُحسن الظن بالجميع بلا حدود، بل أن تملك من الإنصاف ما يمنعك من ظلمهم، ومن الحكمة ما يحميك من استغلالهم. فهناك فرقٌ شاسع بين أن تقول: «لا أعلم حقيقة ما حدث»، وأن تقول: «أعلم أنه تعمّد الإساءة»، وأنت لم تسمع منه ولم تملك دليلًا على ما تدّعيه.

ولعلّ هذه الأبيات تختصر شيئًا من المعنى:

لا تجعلِ الظنَّ سيفًا في يدِ الغضبِ
ولا تُدنْ بريئًا قبلَ مُكتملِ السَّببِ

فكم بريءٍ أضاعوا حقَّهُ وهمُ
يمضونَ خلفَ خيالٍ صيغَ من رِيَبِ

والعقلُ ليسَ بأن تُسيءَ الظنَّ في أحدٍ
لكنْ تميّزُ بينَ الحقِّ والشُّهُبِ

واحفظْ لسانَكَ، إنَّ القولَ إن خرجتْ
سهامُهُ، أوجعتْ قلبًا بلا ذنبِ

في النهاية، لسنا مطالبين بأن نثق بالجميع، ولا بأن نتجاهل ما تعلّمناه من تجارب الحياة؛ لكننا مطالبون بألّا نجعل تجاربنا مبرّرًا لاتهام الأبرياء، وألّا نخلط بين قوة الشخصية وقسوة الأحكام، ولا بين الذكاء والارتياب الدائم.

فليس كل من أساء الظنّ فطنًا، وليس كل من أحسن الظنّ ساذجًا؛ فقد يكون حسن الظنّ ثمرة نفسٍ عادلة، وقد يكون سوء الظنّ انعكاسًا لخوفٍ لم يُعالَج، أو تجربةٍ لم تلتئم، أو حكمٍ استعجل صاحبه الوصول إليه ، وتبقى الحكمة الأجمل أن نمنح الحقيقة فرصتها قبل أن نصدر أحكامنا، وأن نسأل قبل أن نفسّر، ونتثبّت قبل أن نتّهم، ونتذكّر دائمًا أن القلوب لا يعلم ما تخفيه إلا الله، وأن كرامة الإنسان ليست مجالًا لتجاربنا في قراءة النوايا.

فلا تجعلوا سوء الظن فطنةً تتباهون بها، ولا تجعلوا اتهام الناس دليلًا على عمق فهمكم؛ فالفطن حقًّا من رأى موضع الحذر فلم يغفل، ورأى موضع الإنصاف فلم يظلم.

كاتبة رأي 

 

 

الدكتورة جواهر الروقي

أديبة سعودية وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.