عدوك معلّمك

عدوك معلّمك
بقلم : د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
عبارة قد تبدو قاسية في بدايتها، وربما يرفضها من ذاق ظلمًا أو خذلانًا أو مرّ بتجربة تركت في نفسه أثرًا لا يزول بسهولة ، لكنني لا أقصد أن الظلم يصبح مقبولًا، ولا أن من أساء إلينا يستحق الامتنان؛ إنما أقصد شيئًا آخر: أن الإنسان يستطيع أن يتعلم حتى من الأشياء التي لم يخترها.
لفتتني، أثناء تصفحي أحد برامج التواصل، قصص كثيرة لأشخاص يتحدثون عن خيباتهم المهنية، وعن علاقات انتهت، وفرص ضاعت، ومواقف أوجعتهم، وأشخاص خذلوهم بعد ثقة ، وبين قصة وأخرى، وجدتني أفكر: كم نحتاج أحيانًا إلى أن نغيّر زاوية النظر إلى ما يؤذينا.
نحن غالبًا ننظر إلى الخيبة من جهة واحدة: ماذا أخذت مني؟
بينما السؤال الأكثر نضجًا قد يكون: ماذا كشفت لي؟
فكل موقف يكشف شيئًا، حتى لو لم يمنحنا شيئًا ، والعمل يكشف قدرتنا وحدودنا، والعلاقات تكشف احتياجاتنا وتعلّقنا، والخلافات تكشف طريقة غضبنا، والرفض يكشف مقدار اعتمادنا على تقدير الآخرين، والخسارة تكشف الأشياء التي وضعناها في مكانة أكبر مما ينبغي ، وأحيانًا لا تكون مشكلتنا في الحدث نفسه، وإنما في المكانة التي منحناها له داخلنا.
نمنح موقفًا عابرًا أكثر مما يستحق، وشخصًا مساحة أكبر من حجمه، وكلمة قدرة على هز يوم كامل، ورفضًا مهنيًا قدرة على هدم سنوات من الثقة بالنفس ، وهنا تبدأ الخيبة في كشف ضعف آخر: ضعفنا في ترتيب الأشياء.
أن نعرف ما يستحق الحزن، وما يستحق التجاوز، وما يستحق المواجهة، وما يستحق أن نتركه لله.
ولعل المنهج النبوي من أعمق ما يربي الإنسان على هذه الموازنة؛ فهو لا ينكر الألم، ولا يطلب من الإنسان أن يتظاهر بالقوة، لكنه يعلمه ألا يجعل الألم هو المعنى الوحيد للحادثة ، يقول النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير».
ليست القضية أن كل ما يحدث لنا جميل، وإنما أن المؤمن لا يسمح لشيء أن يمر به عبثًا ، إن أصابته نعمة شكر، وإن أصابته مصيبة صبر، وفي الحالتين هناك بناء داخلي يحدث له ، وهنا تحديدًا أفهم عبارة: عدوك معلّمك.
فقد يأتيك شخص ليعلمك أن الطيبة بلا حدود ليست دائمًا فضيلة، وأن الثقة تحتاج إلى وعي، وأن الحدود ليست قسوة، وأن حفظ كرامتك لا يعني أنك أقل وفاء ، وقد تأتيك بيئة مهنية لتعلمك أن المكان الذي لا يقدّر جهدك لا ينبغي أن يتحول إلى مقياس لقيمتك ، وقد تأتيك علاقة لتكشف لك أنك كنت متعلقًا بالصورة التي صنعتها عن الشخص، أكثر من حقيقتِه.
وقد تأتيك خسارة لتعيد ترتيب أولوياتك، وتذكّرك بأن بعض الأشياء التي ظننت أنك لا تستطيع العيش دونها، استطعت ، لكن أجمل ما في الأمر أن الدرس لا يشترط أن يبقى المعلم ، بعض الأشخاص يدخلون حياتنا لوقت قصير، ويتركون درسًا طويلًا ، وهذا يعيدني إلى شيء بسيط نراه كل يوم دون أن نتأمله: عقارب الساعة.
عقرب قصير وآخر طويل؛ أحدهما لا يملك امتداد الآخر، ومع ذلك لا يشعر أحدهما بالنقص ، كلاهما يؤدي وظيفته، وكلاهما ضروري لقراءة الوقت، حتى إن اختلافهما هو الذي يصنع المعنى ، وقد يبدوان في أغلب الوقت بعيدين عن بعضهما، ثم يلتقيان في لحظة، وبعدها يمضي كل منهما في طريقه.
كم يشبه ذلك البشر ، نلتقي بأشخاص في توقيت معين، نظن أنهم سيبقون طويلًا، ثم نفترق ، ونمر بمواقف قصيرة، لكنها تغير فينا أشياء بقيت سنوات ، ونظن أحيانًا أن طول العلاقة هو دليل أهميتها، بينما قد يكون أثر شخص لم يمكث طويلًا أعظم من أثر آخر عاش معنا أعوامًا .
فليست قيمة الأشياء بطول بقائها، ولا بحجمها، وإنما بما تتركه فينا.
وهنا يصبح النضج ليس في أن نعيش بلا خيبات، فهذا مستحيل، وإنما في أن نتعلم كيف نخرج منها دون أن نحملها معنا إلى بقية حياتنا ، أن نأخذ من التجربة درسها، لا ندعها تأخذ منا سلامنا ، أن نعترف بخطئنا دون أن نحتقر أنفسنا ، أن نفهم خذلان الآخرين دون أن نفقد قدرتنا على الثقة ، أن نضع العمل في مكانه، والعلاقة في مكانها، والمال في مكانه، والناس في مكانهم، وأن نعرف أن أي شيء في هذه الدنيا إذا تجاوز حجمه في قلوبنا، بدأ يأخذ منا أكثر مما ينبغي.
ولذلك جاء التوجيه النبوي حاسمًا حتى في التعامل مع ما مضى: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل».
ليس المقصود أن نتوقف عن مراجعة أخطائنا، بل ألا نتحول إلى أسرى لها.
تعلّم، ثم تجاوز.
افهم، ثم امضِ.
فالإنسان الناضج ليس من لم يُخذل، وإنما من لم يسمح لخذلانه أن يحدد بقية حياته ، وليس الأقوى من لم يسقط، بل من سقط ثم عرف ماذا كان ينقصه قبل أن يقف ، وربما لهذا، حين أتأمل الخيبات التي مررنا بها أو نسمع عنها، أجد أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا حدث هذا لي؟
بل: ماذا أراني هذا الموقف عن نفسي؟
هل كشف لي تعلقًا؟
غرورًا؟
خوفًا؟
حاجة إلى التقدير؟
ضعفًا في الحدود؟
أم أنه كشف لي ببساطة أنني كنت أضع شيئًا في مكان لم يكن يستحقه؟
قد لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع اختيار ما الذي سيصنعه ذلك فينا ، وهذه ربما إحدى صور القوة التي لا يراها أحد: أن يتحول العدو إلى درس، والخيبة إلى وعي، والخسارة إلى ترتيب، والسقوط إلى معرفة، ثم نمضي دون رغبة في الانتقام من الحياة ، فليس كل من آذاك كان قادرًا على هزيمتك؛ بعضهم كان، دون أن يدري، سببًا في أن تعرف نفسك أكثر.
وربما بعد سنوات، حين تهدأ الأشياء وتبتعد عنّا تفاصيلها، سنكتشف أن بعض ما بكينا عليه لم يكن نهاية الطريق، بل كان تصحيحًا لمساره.
وحينها فقط سنفهم:
أن بعض الناس كانوا مرحلة، وبعض المواقف كانت رسالة، وبعض الخيبات كانت معلّمة… وأن الله، في كل ذلك، كان يربينا على أن نضع كل شيء في موضعه، ثم نمضي.
كاتبة رأي