كُتاب الرأي

السعودية.. وطنٌ أحببته من نافذة الغربة

السعودية.. وطنٌ أحببته من نافذة الغربة

عيسى المُرشدي

هناك أوطان نولد فيها، وأوطان أخرى تولد فينا مع الأيام! وبين الوطن الذي نحمل اسمه في أوراقنا، والوطن الذي نحمله في وجداننا، مساحة واسعة من المشاعر لا تقيسها الحدود ولا تختصرها الجغرافيا، هكذا هي السعودية بالنسبة لي.

أنا مواطن يمني، أحمل لليمن حباً لا يحتاج إلى تفسير؛ فهي الوطن الأول، والأرض التي منها بدأت حكايتي، وفيها جذوري وذكرياتي وأهلي.. لكنني وأنا أعيش في المملكة العربية السعودية، وجدت نفسي أمام وطن آخر يقترب من القلب يوماً بعد يوم، حتى أصبح من الصعب أن أتحدث عن تجربتي الإنسانية والمهنية من دون أن تكون السعودية حاضرة فيها.

في الرياض؛ حيث أعمل مذيعاً لدى قناة عدن في مقرها المؤقت، لم تكن إقامتي مجرد محطة مهنية عابرة؛ كانت سنوات من التعارف والتجارب والمواقف والصداقات، ومن خلالها اقتربت من المجتمع السعودي، وعرفت الإنسان السعودي عن قرب، واكتشفت تفاصيل بلد لا يمكن اختزاله في صورة واحدة.

السعودية التي أراها ليست فقط المدن الحديثة والمشاريع الكبرى والنهضة العمرانية؛ هي أيضاً ذلك الإنسان الذي يفتح لك بيته وقلبه، والزميل الذي يتحول مع الوقت إلى صديق، والموقف الذي يبقى في الذاكرة، والكلمة الطيبة التي تجعل الغريب يشعر أنه ليس غريباً تماماً.

وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين؛ أتوقف أمام معنى الوطن كما عشته هنا، فاليوم الوطني ليس مناسبة للاحتفال فحسب، بل لحظة تستعيد فيها الشعوب ذاكرتها، وتتأمل مسيرة وطنها، وتستشرف ما تريد أن يكون عليه الغد.

وللسعودية في هذه المسيرة حكاية طويلة من البناء والتحولات، ومن يعيش فيها اليوم يستطيع أن يلمس حجم الحضور الذي باتت تحظى به في مختلف المجالات، كما يستطيع أن يرى طموحاً يتجاوز الحاضر إلى المستقبل.

وبالنسبة لي، فإن أجمل ما في هذه المناسبة أنني أستطيع أن أشارك أشقائي السعوديين فرحتهم من موقع المحبة والامتنان. قد لا أكون سعودياً، لكنني أعيش على أرض السعودية، وأعمل فيها، وعرفت فيها الكثير من الناس، ولهذا فإن فرحتها تصل إليّ بصورة مختلفة.

أحب اليمن، وسأظل أعتز بانتمائي إليه، لكنني تعلمت أيضاً أن القلب قادر على أن يتسع لأكثر من محبة، وأن الوفاء لا يكون حصراً على وطن واحد.

السعودية بالنسبة لي بلدٌ احتضنني في مرحلة مهمة من حياتي، وجعلني ألتقي وأتعلم وأصنع ذكريات سترافقني أينما ذهبت، لذلك فإن محبتي لها ليست مرتبطة بمناسبة، وإنما هي نتيجة سنوات من المعايشة والتجربة.

وفي هذا اليوم، لا أملك للسعودية سوى الدعاء والكلمة الصادقة:
أن يحفظ الله هذا البلد وأهله، ويديم عليه الأمن والاستقرار، ويبارك في مستقبله، وأن تظل المحبة جسراً ممتداً بين الشعبين اليمني والسعودي، كما كانت دائماً.

من يمني أحب وطنه الأول، وأحب وطناً ثانياً احتضنه، أقول للسعودية: كل عام وأنتِ بخير، كل عام وأنتِ حكاية وطن تُروى بالفخر، وذكرى جميلة تسكن قلوب من عرفوكِ وأحبوكِ، وكل عام والسعودية… وطنٌ أحببته من نافذة الغربة، حتى لم تعد الغربة.. غربة.

كاتب رأي 

 

 

عيسى المرشدي

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.