كُتاب الرأي

أرض الحرمين.. أمانة تتجاوز حدود الوطن!

أرض الحرمين.. أمانة تتجاوز حدود الوطن!

بقلم: عيسى المُرشدي

ليست كل المواقف تُقاس بالكلمات، ولا كل العلاقات تختصرها المصالح. فثمة أوطان تصنع مكانتها بمواقفها، وتزرع محبتها بعطائها، وتستحق الوفاء حين تواجه الخطر، كما وقفت طويلًا إلى جوار الآخرين في أوقات الشدة.

والمملكة العربية السعودية واحدة من تلك الأوطان التي لا يمكن اختزال مكانتها في حدود الجغرافيا أو حسابات السياسة؛ فهي أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، وموطن العطاء الذي امتدت أياديه إلى شعوب العالم، فاستحقت المحبة والتقدير، واليوم حين تواجه المملكة اعتداءات الميليشيا الحوثية المدعومة من النظام الإيراني، فإن الموقف لا يحتمل الالتباس أو الصمت؛ فالمملكة تدافع عن أرضها وسيادتها وأمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وهو حق أصيل تكفله القوانين الدولية.

إن استهداف السعودية ليس حدثًا عابرًا، بل تهديد لأمن المنطقة واستقرارها، وتصعيد يضع حياة المدنيين والمنشآت الحيوية أمام مخاطر لا ينبغي الاستهانة بها، ومن هنا فإن رفض العدوان الحوثي الإيراني ومساندة حق المملكة في حماية أمنها موقف تمليه المبادئ، وتفرضه الأخوة، وتستوجبه المسؤولية، فمن احتضن الجميع، من حقه أن يجد الجميع إلى جواره حين تشتد العواصف.

لقد أثبتت المملكة عبر عقود من العمل الإنساني والإغاثي والتنموي؛ أن دورها لا يتوقف عند حدودها، وأن عطاءها يتجاوز الجغرافيا إلى الإنسان أينما كان. ومن خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وصلت المساعدات السعودية إلى شعوب كثيرة، حاملة الغذاء والدواء، وداعمة قطاعات الصحة والتعليم والإيواء، ومانحة الأمل للمتضررين من الأزمات والكوارث.

وكان لليمن نصيب وافر من هذا العطاء؛ فالمملكة لم تنظر إلى اليمنيين باعتبارهم مجرد شعب يجاور حدودها، بل شعبًا تجمعها به وشائج التاريخ والدم والجوار والمصير المشترك، وفي سنوات الحرب والمعاناة، استمرت المساعدات السعودية والجهود الإغاثية والتنموية والصحية، لتخفف عن الإنسان اليمني وطأة الأزمات وتمنحه أسباب الصمود والحياة.

وهنا تبدو المفارقة موجعة؛ يدٌ سعودية تمتد بالعون إلى اليمنيين، وأسلحة حوثية إيرانية تتجه نحو الأراضي السعودية، مهددة أمنها واستقرارها، وبين اليد التي تبني وتغيث، والسلاح الذي يهدد ويصعّد، تتضح المسافة بين مشروع يساند الإنسان، ومشروع يعرّض الشعوب لمزيد من الخوف والدمار، ولا بد من التأكيد أن الميليشيا الحوثية لا تختزل اليمن ولا تمثل تطلعات أبنائه، وأن أمن المملكة واستقرارها ليسا نقيضًا لأمن اليمن ومستقبله؛ بل إنهما ركيزة أساسية لأي مستقبل يقوم على حسن الجوار، واستعادة الدولة اليمنية، وبناء حلم الشعبين.

وعالميا فللمملكة مكانة تتجاوز الاعتبارات السياسية والاستراتيجية؛ ففي أرضها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي رحابها المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإليهما تتجه قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وتستقبل المملكة ملايين الحجاج والمعتمرين، وتضطلع بمسؤولية عظيمة في خدمتهم وتيسير مناسكهم وتوفير الأمن والطمأنينة لهم.

ومن هنا فإن أمن المملكة ليس شأنًا يخص السعوديين وحدهم، بل قضية تتصل بسلامة المنطقة وأمن ملايين البشر الذين يقصدون أرض الحرمين الشريفين، واستهداف هذه البلاد يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقتضي رفض العدوان، لا تبريره، ومساندة الأمن والسلام، لا التعايش مع التهديد والفوضى.

وبوصفي إعلاميًا يمنيًا ومقيمًا على أرض المملكة، أكتب هذه الكلمات من موقع الوفاء والتقدير، لا من باب المجاملة، ولا على حساب انتمائي لليمن، فمحبتي لوطني لا تتعارض مع تقديري للمملكة، واعتزازي بهويتي اليمنية لا يمنعني من الاعتراف بفضل بلد احتضنني، وأعيش على أرضه، وأقدّر ما ينعم به من أمن واستقرار.

فالوفاء لا يتجزأ، ولا ينبغي أن يكون موقف الإنسان انتقائيًا؛ يتذكر العطاء حين يحتاج إليه، ثم يلتزم الصمت حين يتعرض صاحب العطاء للخطر. إن المواقف الحقيقية تُختبر في أوقات الشدة، وفيها تتمايز الكلمات الصادقة عن المجاملات العابرة.

إن الوقوف مع المملكة لا يعني التخلي عن بلداننا، ولا الانحياز ضد شعوبها، بل يعني الوقوف مع حق الدولة في حماية سيادتها، ومع حق المدنيين في الأمن والحياة، ومع مستقبل تتخلص فيه المنطقة من سطوة الميليشيات ومشروعات الفوضى والتدخلات التي تستنزف الشعوب وتبدد فرص السلام.

نريد يمنًا يستعيد دولته ومؤسساته، وسعودية تنعم بالأمن والاستقرار، وعلاقة أخوية راسخة تحمي مصالح الشعبين وتفتح أمامهما آفاق التعاون والازدهار. فاليمن الآمن يمثل مصلحة للمملكة، والمملكة المستقرة تمثل عمقًا استراتيجيًا وفرصة حقيقية لمستقبل اليمن وأبنائه.

إن الدفاع عن السعودية لا يقتصر على الشعارات، بل يبدأ بموقف واضح يرفض الاعتداء وتبريره، ويؤيد حق المملكة المشروع في حماية مواطنيها والمقيمين فيها، ويدعم الجهود التي تحمي المدنيين وتحول دون اتساع دائرة الحرب، وتمهد لسلام عادل ومستدام.

وأقولها بوضوح: إن السعودية التي احتضنت الجميع، ومدّت يدها إلى الشعوب، وفتحت أبوابها لملايين البشر، تستحق أن تجد أصواتًا صادقة تقف معها حين تتعرض للخطر.

فأرض الحرمين ليست مجرد حدود جغرافية، وأمنها ليس تفصيلًا عابرًا في معادلات السياسة؛ إنها مسؤولية تتصل بمكانتها الدينية والإنسانية، وبحق شعبها والمقيمين على أرضها في الحياة الآمنة الكريمة، ومن حق المملكة وهي تواجه الاعتداء؛ أن تسمع موقفًا واضحًا من كل من يؤمن بالحق والعدالة وحسن الجوار، فليس من الوفاء أن نغض الطرف عن الخطر، ولا من الحكمة أن نصمت أمام ما يهدد أمن المنطقة ومستقبل شعوبها.

ستبقى الأخوة أعمق من الأزمات، والمصالح المشتركة أقوى من محاولات التفريق، والمصير المشترك أكبر من حملات التضليل، فمن احتضن الجميع، ومدّ يد العون في زمن المحن، يستحق أن يجد الجميع إلى جواره حين تشتد العواصف، ذلك ليس مجاملة بل وفاء؛ وليس شعارًا، بل موقف تفرضه الأخوة وتصونه المبادئ.

كاتب رأي

 

 

عيسى المرشدي

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.