كُتاب الرأي

الثقافة؛ حين يُختبر الموقف.. هل يكفي الصمت؟

الثقافة؛ حين يُختبر الموقف.. هل يكفي الصمت؟

بقلم: عيسى المُرشدي

ليست الثقافة بمعزل عن حياة الناس، ولا الأدب جزيرةً منفصلة عن قضايا الأوطان؛ فالكلمة مهما بلغت من جمال، تظل ناقصة الأثر إذا انفصلت عن واقع الإنسان، ولم تلامس مخاوفه وأسئلته، ولم تعبّر عن حقه في الأمن والكرامة والانتماء، وفي زمن تتعرض فيه أوطاننا الغالية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها، وفي مقدمتها ما تمثله الميليشيا الحوثية المدعومة من النظام الإيراني من خطر على المملكة العربية السعودية واليمن ودول المنطقة؛ يبرز سؤال يتجاوز السياسة إلى الثقافة: أين تقف الكلمة حين تصبح الأوطان موضع استهداف؟!

ليس السؤال دعوة إلى تسييس الأدب، ولا مطالبة المثقف بأن يتخلى عن استقلاله الفكري، بل محاولة لفهم العلاقة بين الثقافة والمسؤولية. فحين يختار بعض المثقفين الابتعاد عن هذه القضايا بحجة أنها لا تعنيهم، أو أنها شأن سياسي لا ثقافي، يبدو الأمر وكأن الثقافة يمكن أن تؤدي رسالتها بعيدًا عن كل ما يمس الإنسان ومجتمعه ووطنه.

لكنّ الثقافة في جوهرها ليست مجرد إنتاج معرفي أو احتفاء بالجمال وحسب؛ إنها أيضًا وعيٌ بما يجري حولنا، وقدرةٌ على التمييز بين الاختلاف والعدوان، وبين حرية الرأي والتحريض، وبين الحياد الذي يحمي استقلال الفكر والصمت الذي قد يترك الحقيقة وحيدة في مواجهة التضليل. وليس كل صمت تواطؤًا، كما أن كل موقف معلن ليس بالضرورة موقفًا واعيًا، غير أن السؤال يظل مشروعًا: هل يكفي أن نحتفي بالكلمة في أمسياتنا ومنتدياتنا، ثم نتجنب القضايا التي تختبر قيمها ومعانيها؟!

إن الاعتداء على أمن المملكة العربية السعودية واليمن ليس شأنًا هامشيًا يمكن فصله عن استقرار المنطقة، ولا التهديدات التي تطلقها الميليشيا الحوثية المدعومة من النظام الإيراني مجرد تفاصيل في خلاف سياسي عابر؛ فالأمن حق للشعوب، والدفاع عنه مسؤولية مشروعة، ورفض الاعتداء لا يحتاج إلى التخلي عن الموضوعية أو الوقوع في فخ الكراهية.

فالدفاع والذود عن بلداننا حيال ما تتعرض له من اعتداء سافر؛ واجب أخلاقي وديني، والأوطان أكبر من الجماعات التي تختطف قرارها أو تزج بها في صراعات لا تنتهي، وهنا تتجلى الثقافة في معناها الأعمق؛ لا باعتبارها خطابًا تعبويًا، ولا منصة لإدانة الآخرين، بل باعتبارها قدرة على رؤية الإنسان خلف الأحداث، والوطن خلف الجغرافيا، والمصير المشترك خلف الخلافات السياسية.

إن المثقف ليس مطالَبًا بأن يتحدث في كل قضية؛ لكنه ليس مضطرًا أيضًا إلى إقناع نفسه بأن قضايا الوطن والهوية والمجتمع تقع خارج نطاق اهتمامه، فالاستقلال الفكري لا يعني الانفصال عن الواقع، والموضوعية لا تعني الوقوف على مسافة واحدة من الاعتداء وحق الشعوب في الأمن، والثقافة ليست أن نمتلك لغة جميلة فحسب، بل أن ندرك متى تصبح الكلمة مسؤولية، ومتى يكشف الصمت حدود ما نحمله من وعي.

وفي نهاية المطاف؛ لا تُقاس قيمة الثقافة بعدد الكتب التي تُكتب، ولا بعدد الندوات التي تُقام، بل بقدرتها على توسيع وعينا بالحياة، وتعميق فهمنا للإنسان، وجعلنا أكثر إدراكًا لما يهدد مجتمعاتنا وأوطاننا، وحين تتعرض الأوطان للتهديد، لا تفقد الثقافة استقلالها إذا عبّرت عن موقف، ولا تفقد الكلمة موضوعيتها إذا انتصرت لحق الشعوب في الأمن والاستقرار، بل لعلها في تلك اللحظات تحديدًا تستعيد معناها الأصيل: أن تكون مرآة للواقع، وضميرًا يسائله، وشاهدًا لا ينفصل عن الإنسان الذي وُجدت الثقافة من أجله.

كاتب رأي 

 

 

عيسى المرشدي

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.