كُتاب الرأينحن طويق

في جوهر المواطنة.. مسؤولية لا تُفوّض

في جوهر المواطنة.. مسؤولية لا تُفوّض

د. دلال القحطاني

ليست قيمة المواطنة فيما نحمله من مشاعر تجاه الوطن فحسب، بل فيما نترجمه من مواقف وسلوكيات تعكس حقيقة هذا الانتماء. فحب الوطن مفهوم يتسع للجميع، لكن المسؤولية تجاهه تتطلب وعيًا يظهر في اختياراتنا اليومية، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين، ومع ما يصل إلينا من معلومات وأحداث.

قد يظن البعض أن حماية الأمن شأن تختص به الجهات الأمنية، وهذا صحيح من حيث الاختصاص والمسؤولية التنفيذية، لكنه لا يعفي بقية أفراد المجتمع من أدوارهم في المحافظة على الاستقرار. فهناك مساحة واسعة من المسؤولية تبدأ من الفرد، وتمتد إلى الأسرة ومؤسسات المجتمع والإعلام، وتتكامل مع جهود الجهات المختصة.

ومن هنا، أرى أن أحد أهم مظاهر المواطنة المسؤولة اليوم هو إدراك أثر السلوك الرقمي. فالمعلومة التي نعيد نشرها ليست مجرد محتوى نمرره عبر شاشة، والصورة التي نتداولها ليست دائمًا مادة متاحة للنشر، والتعليق الذي نكتبه قد يساهم في توضيح الحقيقة، أو في تضليل الآخرين وإثارة القلق بينهم. لذلك، فإن التحقق من المصادر، والابتعاد عن تداول الشائعات، واحترام خصوصية الآخرين، ليست مجرد ممارسات إعلامية مهنية، بل مسؤوليات وطنية أيضًا.

ولا تقف المسؤولية عند حدود ما ننشره، بل تتجاوز ذلك إلى ما نفعله عندما نلاحظ أمرًا يستدعي الانتباه. فالتعاون مع الجهات الأمنية، والإبلاغ عبر القنوات الرسمية عند الحاجة، وعدم الاجتهاد في التعامل مع المعلومات ذات الطبيعة الأمنية أو نشرها، كلها ممارسات تعكس فهمًا ناضجًا للشراكة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ومن واقع اهتمامي بالقيادة والعمل المجتمعي والإعلام، أجد أن بناء مجتمع واعٍ لا يتحقق بكثرة الرسائل التوعوية وحدها، بل بقدرتنا على تحويل ما نتعلمه إلى سلوك مستمر. فالوعي الذي لا ينعكس على التصرفات يبقى معرفة نظرية، والمسؤولية التي لا تتحول إلى ممارسة تفقد كثيرًا من أثرها.

كما أن للأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والقطاع غير الربحي دورًا في ترسيخ هذه الثقافة، من خلال تنمية حس المسؤولية، وتعزيز التفكير الواعي، وتقديم نماذج إيجابية للمشاركة المجتمعية. فكل مؤسسة تؤدي دورها بوعي تسهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على التعامل مع التحديات.

إننا لا نحتاج إلى انتظار موقف استثنائي حتى نثبت انتماءنا؛ فهناك ما نستطيع تقديمه كل يوم: معلومة نتحقق منها، وشائعة لا نعيد تداولها، وخصوصية نحترمها، وتعليمات نلتزم بها، وبلاغ مسؤول يصل إلى الجهة المختصة، وكلمة نختارها بعناية.

هذه التفاصيل قد لا تحظى بالظهور، لكنها جزء أصيل من منظومة الأمن المجتمعي.

وفي تقديري، فإن السؤال الذي يستحق أن يرافق كل واحد منا ليس فقط: ماذا يقدم الوطن لي؟ بل أيضًا: ماذا أضيف أنا إلى وطني من خلال سلوكي وقراراتي وموقفي؟

فالمواطنة ليست مناسبة نحتفي بها، وإنما مسؤولية نجددها في تفاصيل حياتنا، والأمن ليس مسؤولية نتحدث عنها من بعيد، بل شراكة نؤدي فيها دورنا بوعي وثقة والتزام.

فلنجعل انتماءنا للوطن حاضرًا في أفعالنا، قبل أن يكون حاضرًا في كلماتنا.

كاتبة رأي 

#نحن_طويق

الدكتورة دلال القحطاني

كاتبة رأي وقيادية في القطاع غير الربحي، ومستشارة مهنية في منصة الخبراء والمستشارين للمسؤولية المجتمعية في الدول العربية، وكاتبة مهتمة بقضايا القطاع غير الربحي والمسؤولية الاجتماعية والإعلام البيئي والاستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.