نحن طويق

الحرب بعد الهزيمة؟

الحرب بعد الهزيمة؟

رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .

الأربعاء الموافق ( 4 ) نوفمبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

﴿ قد تنتصر الجيوش في ميادين القتال لكنها تخسر الحرب استراتيجيا عندما تعجز القوة العسكرية عن تحقيق الأهداف السياسية فالحسم الحقيقي لا يقاس بحجم النيران وإنما بالنتائج التي تترتب عليها . ﴾

تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة بالغة الحساسية عقب الهزيمة الانتخابية التي مني بها الحزب الجمهوري وفقدانه السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات الكونغرس النصفية يوم الثلاثاء الموافق ( 3 ) نوفمبر ( 2026 )م وما نسب إلى الرئيس دونالد ترامب من إقرار بأن الحرب على إيران أسهمت في تلك الخسارة مع تمسكه بصحة قرار شنها الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤل استراتيجي بالغ الأهمية حول احتمالات استئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران خلال المرحلة المقبلة .

ومن وجهة نظري العسكرية والاستراتيجية أرى أن الضغوط السياسية التي يواجهها الرئيس ترامب عقب خسارة حزبه قد تدفعه إلى إعادة النظر في خياراته العسكرية تجاه إيران خصوصا مع احتمالات استمرار الضغوط الإسرائيلية وسعيه إلى استعادة المبادرة وإظهار الحسم العسكري غير أن توسيع نطاق الضربات قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة دون أن يضمن إخضاع طهران أو تحقيق الأهداف الأمريكية المنشودة .

وتكمن المعضلة الاستراتيجية في أن ترامب قد يجد نفسه أمام خيارين متعارضين أولهما محاولة تعويض خسارته السياسية بانتصار عسكري سريع يعيد إليه زمام المبادرة وثانيهما تجنب مغامرة جديدة قد تزيد الأعباء الاقتصادية وتعمق الانقسام الداخلي وتمنح خصومه السياسيين أسبابا إضافية لمعارضة سياساته .

وقد لا تكون الهزيمة الانتخابية دافعا لاستئناف حرب شاملة بقدر ما قد تصبح حافزا لتنفيذ ضربات عسكرية محدودة في أهدافها ومدتها يسعى ترامب من خلالها إلى تحقيق مكسب سياسي سريع غير أن محدودية الضربة لا تعني بالضرورة محدودية تداعياتها إذ يستطيع الطرف المبادر تحديد أهداف عمليته وتوقيتها لكنه لا يملك ضمان التحكم في طبيعة الرد المقابل أو اتساع نطاق المواجهة وهو ما قد يحول عملية محسوبة إلى حرب استنزاف مفتوحة .

وتكمن الخطورة الاستراتيجية الأعمق في الفجوة المحتملة بين الأهداف السياسية المحدودة والنتائج العسكرية غير المحدودة فكلما اتسعت هذه الفجوة تراجعت فرص الحسم وازدادت احتمالات الاستنزاف إذ قد تنجح القوة الأمريكية في تدمير أهداف عسكرية منتقاة دون أن تتمكن من فرض النتائج السياسية التي استخدمت القوة لتحقيقها .

وعسكريا فإن استئناف العمليات الأمريكية واسعة النطاق قد يشمل ضرب مراكز القيادة والسيطرة ومنظومات الدفاع الجوي والقواعد العسكرية والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية بهدف إضعاف قدرات طهران القتالية وتقليص خياراتها العسكرية غير أن تدمير القدرات لا يعني بالضرورة كسر الإرادة السياسية أو فرض شروط الاستسلام .

كما أن إيران قد تلجأ إلى توسيع عملياتها غير المتماثلة وتهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز وتعريض المصالح العسكرية والاقتصادية في المنطقة لمخاطر جسيمة بما يرفع احتمالات انتقال المواجهة من ضربات محدودة إلى حرب استنزاف طويلة تتجاوز حسابات واشنطن وطهران معا .

ولا يجوز في خضم تحليل احتمالات التصعيد إغفال المسؤولية الجسيمة التي يتحملها النظام الإيراني عن سياساته العدوانية والتخريبية في المنطقة وما انتهجه طوال عقود من تدخلات سافرة في شؤون الدول ودعم وتسليح وتمويل الميليشيات والجماعات المسلحة التي اتخذ منها أذرعا لزعزعة الأمن والاستقرار وتهديد سيادة الدول ومقدرات شعوبها .

وفي مقدمة تلك الأذرع جماعة الحوثيين الإرهابية في اليمن التي حولت مناطق سيطرتها إلى ساحات للقمع والابتزاز والجبايات القسرية ومنطلقات للاعتداءات الصاروخية وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وإن استمرار طهران في توظيف هذه المجاميع المسلحة لخدمة مشروعها التوسعي يمثل انتهاكا خطيرا لمبادئ حسن الجوار وسيادة الدول ويضع النظام الإيراني أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية جسيمة عن تداعيات سياساته التي لم تجلب لشعوب المنطقة سوى الحروب والدمار والاضطرابات وتقويض فرص السلام والتنمية والاستقرار .

ولم تقف التداعيات الخطيرة للسياسات العدوانية الإيرانية عند حدود الاعتداءات العسكرية والتدخلات الإقليمية بل امتدت إلى تعريض الاقتصاد العالمي لخسائر فادحة وتهديد أمن الطاقة والتجارة الدولية نتيجة الاعتداءات والتهديدات الموجهة إلى دول الخليج العربي وما يرتبط بها من مخاطر على المنشآت الحيوية وخطوط الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب وباب المندب وجنوب البحر الأحمر .

وقد أسهمت التهديدات الإيرانية واعتداءات المجاميع المسلحة المرتبطة بطهران وفي مقدمتها الحوثيون الإرهابيون في رفع تكاليف التأمين والشحن وتعطيل بعض المسارات التجارية وإطالة رحلات السفن وزيادة كلفة نقل النفط والغاز والبضائع وانعكست تلك الاضطرابات على أسعار الغذاء والمواد الأولية وتكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية بما يفاقم الضغوط التضخمية ويثقل كاهل المستهلكين ويهدد الاستقرار الاقتصادي لدول المنطقة والعالم .

وتكتسب هذه المخاطر أبعادا أشد خطورة في ضوء الأنباء الأخيرة عن تعرض ناقلات نفط لحوادث أمنية في مضيق هرمز وما يكشفه استمرار التهديدات البحرية من هشاشة أمن الطاقة والملاحة الدولية أمام أي تصعيد جديد .

ويضاعف خطورة هذا المشهد ما أراه تعنتا واضحا من النظام الإيراني في مواقفه التفاوضية وعدم إبدائه المرونة الكافية لإنجاح المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد ولا سيما الجهود الباكستانية المكوكية المضنية وما يساندها من مساع قطرية لفتح قنوات الحوار وتقريب المواقف وتجنيب المنطقة حربا أوسع نطاقا وأشد تدميرا .

إن استمرار التعنت والمراهنة على التهديد العسكري وتوظيف الميليشيات المسلحة أوراقا للضغط والمساومة من شأنه تقويض فرص التسوية وإطالة أمد الأزمة وتعميق الخسائر الاقتصادية والإنسانية فكل فرصة سلام تهدرها طهران بتعنتها السياسي وممارساتها العسكرية لا تعني مجرد تأخير اتفاق محتمل وإنما تعني استمرار نزيف اقتصادي وإنساني تتحمل الشعوب كلفته الباهظة .

وفي تقديري فإن الفترة الفاصلة بين الانتخابات وانعقاد الكونغرس الجديد قد تدخل ضمن حسابات ترامب السياسية لكنها لا تمنحه صلاحيات استثنائية ولا تضمن له حرية التحرك العسكري دون قيود مؤسسية أو تبعات داخلية .

وفي المقابل فإن استمرار المساعي الدبلوماسية يتيح للرئيس الأمريكي فرصة تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب تفاوضية قد تكون أقل تكلفة وأكثر قابلية للاستمرار من محاولة فرض الحسم بالقوة خصوصا إذا أدرك الطرفان أن مواصلة الاستنزاف لن تحقق لأي منهما نصرا استراتيجيا حاسما .

ومن منظور تقدير الموقف أرى أن احتمالات استئناف الضربات الأمريكية قد ترتفع إذا انهارت المفاوضات أو تعرضت القوات الأمريكية لخسائر بشرية كبيرة أو تصاعدت التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية غير أن الخسارة الانتخابية وحدها لا تكفي للجزم بأن قرار الحرب أصبح وشيكا .

والخلاصة أن أخطر ما قد يواجهه الرئيس ترامب ليس خسارته الانتخابية وحدها وإنما احتمال محاولته تعويضها بمغامرة عسكرية قد تحقق تفوقا ناريا عابرا لكنها تفتح أبواب استنزاف استراتيجي طويل فقد يستطيع ترامب أن يأمر باستئناف الحرب لكنه لن يستطيع بالضرورة تحديد موعد نهايتها أو التحكم في جميع نتائجها وقد تتحول محاولته استعادة الهيبة السياسية إلى مأزق أشد خطورة من الهزيمة نفسها فالحروب لا تمنح القادة دائما الانتصارات التي يبحثون عنها وقد تنتهي بخسائر تتجاوز كثيرا الأسباب التي أشعلتها فالحروب التي تبدأ بحسابات سياسية ضيقة قد تنتهي بكوارث استراتيجية واقتصادية واسعة لا يتحمل صانعو قراراتها وحدهم تبعاتها وإنما تدفع الشعوب والأجيال ثمنها الباهظ .

والله يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين ويجنب المنطقة والعالم ويلات الحروب وشرورها وتداعياتها .

كاتب رأي 

#نحن_طويق

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.