كُتاب الرأي

عمى النجاح الاستراتيجي

عمى النجاح الاستراتيجي

عندما يصبح الماضي عائقاً أمام المستقبل.

—————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي. أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

—————————————-
سألني أحد الأصدقاء، وهو يمتلك مؤسسةً تجارية قائلاً : بفضل الله، لديَّ مؤسسة ناجحة  وقد حققت العام الماضي نجاحاً  وأرباحا جيدة وأفكر في الاستمرار على النهج نفسه دون تغيير.. فهل سأتمكن من تحقيق النجاح ذاته في الأعوام القادمة؟
كان السؤال يستحق التفكير العميق  لأنه يلامس إحدى الإشكاليات التي تواجه القيادات وأصحاب المؤسسات، وهي الاعتقاد بأن الأساليب التي حققت النجاح في الماضي ستظل قادرة على تحقيقه في المستقبل.
في الواقع لا تكمن المشكلة في الاستمرار على النهج الناجح، بل في الاستمرار فيه دون تقبيم ومراجعة لأن الأسواق تتغير، واحتياجات العملاء تتطور والمنافسون يبحثون باستمرار عن فرص جديدة والتقنيات تعيد تشكيل بيئة الأعمال. وما كان ميزة  تنافسية بالأمس قد يصبح أمراً  تقليدياً  اليوم.
في الإدارة الاستراتيجية، ترتبط هذه الحالة بما يعرف بـ (فخ النجاح Success Trap) وهو ميل المؤسسات إلى تكرار الممارسات التي حققت لها نتائج إيجابية والاعتماد عليها دون إعادة تقييم مدى ملاءمتها للمتغيرات الجديدة.
وقد لا تدرك المؤسسة أنها بدأت تفقد قدرتها التنافسية لأن أرقامها الحالية ما زالت جيدة ونتائجها لم تتأثر بعد. وهنا تكمن الخطورة إذ قد تكون المؤشرات التي تستدعي التغيير قد ظهرت بالفعل، لكن الانشغال بالنجاح الحالي يحجب رؤيتها.
القيادة الاستراتيجية لا تعني تغيير كل شيء باستمرار، كما لا تعني التمسك بكل ما نجح سابقاً.. بل تعني امتلاك القدرة على التمييز بين الممارسات التي ينبغي المحافظة عليها وتلك التي تحتاج إلى تطوير أو استبدال. لذلك فهذا يتطلب من القائد مراجعة افتراضاته الاستراتيجية ومراقبة تحولات السوق، والاستماع جيداً  إلى العملاء، ودراسة المنافسين بعمق وبناء سيناريوهات مستقبلية تساعد المؤسسة على الاستعداد لما قد يحدث بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع ما حدث بالفعل.
كما ينبغي ألا تنشغل المؤسسة بإدارة عملياتها اليومية وتحقيق أرباحها الحالية على حساب الاستثمار في الابتكار وتطوير قدراتها فالمؤسسات التي لا تخصص مساحة للتجربة والتجديد قد تجد نفسها لاحقاً  أمام منافسين أكثر استعداداً للتغيير.. وهنا تتجلى مسؤولية القائد الإستراتيجي.
مسؤولية القائد الاستراتيجي.
        —————————-
القائد الاستراتيجي لا يقيس نجاحه بالأرباح المحققة فقط، بل بقدرته على فهم مصادر هذه الأرباح، وتقييم مدى استدامتها، واكتشاف المخاطر التي قد تهددها.
ومن المهم أن يطرح أسئلةً مهمة وصعبة حتى في أوقات الاستقرارالتجاري مثل: هل ما زلنا نقدم قيمة حقيقية لعملائنا؟؟ هل نموذج عملنا قادر على مواجهة المنافسة؟ وما الذي يمكن أن يجعلنا أقل قدرة على النجاح خلال السنوات القادمة؟
عموماً فإن هذه الأسئلة ليست تشكيكاً  في الإنجازات، بل وسيلة لحمايتها وتطويرها.
عدت إلى سؤال صديقي، وأعتقد أن  الاستمرار على النهج نفسه قد يكون قراراً صحيحاً ولكن  بشرط ألا يكون قراراً  مبينياً على نجاح العام الماضي وحده فقط
فالاستراتيجية ليست خطة نضعها ثم نلتزم بها مهما تغيرت الظروف، بل عملية مستمرة من المراجعة والتعلم والتقييم والتكيف.
والنجاحات السابقة صحيح أنها  تمنح المؤسسة خبرة تستفيد منها، لكنها لا تمنحها ضمانات للمستقبل.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي لكل قائد وصاحب مؤسسة أن يطرحه هو: هل ما زالت الأسباب التي جعلتنا ننجح بالأمس قادرة على تحقيق النجاح مستقبلاً ؟؟

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.