كُتاب الرأينحن طويق

الحرب القادمة قد لا تبدأ بصاروخ

الحرب القادمة قد لا تبدأ بصاروخ

بل بحساب وهمي يشعل الفتنة بين أبناء الوطن! فأحموا الجبهة الداخلية.

—————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي. أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

—————————————-
في أحد اللقاءات التي جمعتني بمجموعة من الشباب المتدربين، دار بيننا حديث عن الحروب وتكتيكاتها واستراتيجياتها، وعن مفهوم الدفاع عن الوطن في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
طرح أحد الشباب سؤالاً يستحق التأمل والتفكير  فقال: نحن اليوم طلبة جامعيون، ننتمي إلى مدن ومناطق مختلفة، ونحمل جميعاً حب هذا الوطن، لكن كيف يمكننا الدفاع عنه؟؟ وهل نحتاج إلى تدريب عسكري حتى نكون مستعدين للمواجهة والدفاع عن أرضنا الغالية ؟
كان السؤال مهماً ومشروعاًفي نفس الوقت لكن الإجابة الإستراتيجية لهم  تستحق أن تتجاوز المفهوم التقليدي للحروب وتقنياتها.
قلت لهم: إن الحروب في عالم اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والدبابات، ولم تعد ساحاتها محصورة في ميادين القتال. لقد تطورت أدوات الصراع، وأصبحت هناك معارك تُدار بصمت، وتستهدف العقول قبل المواقع، والنسيج الاجتماعي قبل الحدود، والثقة بين أبناء المجتمع قبل أي هدف آخر.
فأخطر ما يمكن أن تتعرض له الأوطان ليس فقط استهداف أرضها، بل إضعاف تماسك مجتمعها من الداخل.
نحن نعيش في عصر أصبحت فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أدوات يمكن توظيفها في البناء والتنمية، كما يمكن إساءة استخدامها في التضليل والتلاعب بالرأي العام وإثارة الانقسامات.
تخيّلوا أن تظهر حسابات وهمية تنتحل أسماء مدن سعودية أو تنتسب زوراً إلى قبائل وعائلات معروفة، وتنشر خطاباً مستفزاً، أو تختلق إساءات متبادلة أو تنسب إلى أشخاص ومكونات اجتماعية مواقف لم يقولوها أصلاً.
وتخيّلوا أن تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليد اللهجات المحلية أو إنتاج مقاطع صوتية ومرئية مزيفة تبدو في ظاهرها حقيقية بينما الغرض منها إثارة الشكوك وإشعال الخلافات بين أبناء الوطن الواحد.
هذه ليست مجرد احتمالات تقنية عابرة؛ بل هي نماذج من المخاطر التي تفرضها بيئة الصراع المعلوماتي الحديثة حيث يمكن للمعلومة المضللة أن تنتشر في دقائق، بينما يحتاج تصحيحها إلى وقت وجهد كبيرين.
وهنا تماماً تكمن أهمية الوعي المجتمعي الذي يجب أن تمارسوه بوعي وحكمة..
إن استهداف وحدة المجتمع لا يحتاج دائماً إلى قوة عسكرية فقد تبدأ محاولات الإضعاف بمنشور مجهول، أو مقطع مجتزأ أو إشاعة مغرضة أو حساب ينتحل هوية وطنية أو اجتماعية.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الوطن لم يعد مسؤولية المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، على أهميتها القصوى  ومكانتها، بل أصبح مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً من كل مواطن أياً كان موقعه أو تخصصه أو عمره.
فالطالب الجامعي يستطيع أن يدافع عن وطنه بعلمه، والمهندس بإبداعه، والإعلامي بمصداقيته، والمعلم برسالته، والمتخصص في التقنية بخبرته، وكل مواطن بمسؤوليته في حماية المجتمع من الشائعات الباطلة والتضليل.
ولعل من أهم صور الدفاع عن الوطن اليوم أن نتعلم كيف نتحقق من المعلومات قبل تداولها، وألا ننساق خلف الحسابات المجهولة، وألا نسمح لمنشور مستفز أو مقطع مشكوك في صحته بأن يستدرجنا إلى الإساءة لبعضنا البعض.
كما يجب أن ندرك أن اختلاف المناطق واللهجات والقبائل والعادات ليس مدعاة للتنافس السلبي أو التعصب بل هو مدعاة للفخر والإعتزاز هو جزء من التنوع والنسبج الاجتماعي الذي يثري هويتنا الوطنية ويعزز قوتنا.
لذلك فإن سر قوتنا ليست في أن نتشابه جميعاً، بل في أن نتوحد في نسيج إجتماعي فريد رغم اختلافاتنا.
إن المملكة العربية السعودية، بما تمثله من عمق تاريخي ومكانة دينية وثقل سياسي واقتصادي، تستحق من أبنائها وعياً يتناسب مع حجم مسؤولية المحافظة على مكتسباتها ومستقبل أجيالها.
والولاء للوطن والقيادة ليس مجرد شعارات تُرفع، بل ممارسة يومية تتجسد في احترام النظام، والمحافظة على الأمن، وتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع، والوقوف صفاً واحداً خلف قيادتنا، وعدم الانجرار إلى حملات التحريض والتشكيك التي تستهدف استقرارنا.
وليس معنى الوعي أن نصدق كل ما يُقال باسم الوطنية، بل أن نمتلك القدرة على التمييز بين النقد المسؤول والتحريض وبين الاختلاف الطبيعي ومحاولات صناعة الفتنة، وبين الخبر الحقيقي والمحتوى المصطنع.
إن الأوطان لا تحميها الأسلحة وحدها فقط ولا تصون استقرارها الشعارات وحدها بل يحميها مجتمع متماسك ومواطن واع ومؤسسات قوية وشباب يدركون أن معركة المستقبل قد تكون معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح.
أخيراً وجهت رسالتي للطلبة وكذلك الآن أوجهها إلى شباب الوطن:
لا تنتظروا أن تقفوا على جبهة عسكرية حتى تثبتوا حبكم لوطنكم. أنتم اليوم على جبهة العلم، والوعي، والإعلام، والتقنية، والأخلاق، والمسؤولية الاجتماعية.
كونوا خط الدفاع الأول ضد الشائعة، ولا تكونوا جسراً تعبر من خلاله الفتنة إلى مجتمعكم. تحققوا قبل أن تنشروا، وفكروا قبل أن تتفاعلوا، ولا تمنحوا الحسابات المجهولة فرصة لتحديد مواقفكم أو توجيه مشاعركم.
فالوطن الذي يجمعنا أكبر من كل خلاف، ووحدتنا أثمن من كل سجال، ومستقبل أبنائنا يستحق أن نحافظ عليه بكل وعي ومسؤولية.
صحيح  أن  الحدود تٌحمى بالقوة، لكن تماسك الأوطان يُحمى بالوعي، وتُصان وحدتها بالعقل، وتُبنى قوتها بسواعد أبنائها الأوفياء المخلصين.
حفظ الله المملكة العربية السعودية الوطن الغالي  وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، وحفظ قيادتها وشعبها، وجعل أبناءها دائماً يداً واحدة في مواجهة التحديات، وبناء المستقبل.
-أَجَلْ نَحْنُ الْحِجَازُ وَنَحْنُ نَجْدُ
هُنَا مَجْدٌ لَنَا وَهُنَاكَ مَجْدُ
-وَنَحْنُ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ افْتَدَاهَا
وَيُفْدِيهَا غَطَارِفَةٌ وَأَسَدُ.
أجل نحن الحجاز ونحن نجد، ونحن عسير والشرقية والشمال والجنوب، نحن وطنٌ واحد، وقلبٌ واحد، ومصيرٌ واحد. لا تفرقنا اللهجات، ولا تمزقنا الاختلافات، ولا تنال من وحدتنا حملات التضليل والفتن.

كاتب رأي 

#نحن_طويق

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.