كُتاب الرأينحن طويق

سياج الروح (نحن طويق )

سياج الروح (نحن طويق )

            أتعلم ما الوطن؟ إنه ليس مجرد رقعة جغرافية نخطو على أديمها، ولا حدودًا رسمتها الخرائط؛ بل هو الروح الساكنة في الحشا، والذاكرة التي تحنو علينا حين نوجل، والحضن الذي نستدفئ بكنفه من قسوة الأيام. إنه ذلك الارتباط الأزلي الذي يشبه حنين الطير إلى وكره، والهواء الطهور الذي نتنفسه ملء صدورنا عزةً وكرامة. ومن هنا، لا يكون الدفاع عن الوطن مجرد واجب تفرضه القوانين، بل عقيدة تنبض بها القلوب، وشرف تعتز به الأرواح، وعهد يتوارثه الأحرار جيلًا بعد جيل.

وحين نلفظ عبارة «الدفاع عن الوطن»، تتجه الأنظار إلى أولئك الساهرين على الثغور، والجباه التي تتوشح بالصبر والعزيمة، وتحرس تراب الوطن بعين لا تنام. إنهم درع الوطن الحصين، وسياجه المنيع، الذين تتكسر عند صخرة صمودهم أطماع المعتدين.

غير أن مفهوم الذود عن الحمى أوسع أفقًا وأعمق جذورًا؛ فهو لا يقتصر على ميادين المواجهة، بل يمتد ليشمل كل ميدان يخلص فيه الإنسان لوطنه، ويسهم من خلاله في بنائه وصون مكتسباته:

ففي الفكر والثقافة: يكون الدفاع عن الوطن بحراسة الوعي من زيف الأفكار، ومواجهة الشائعات، وتعزيز الانتماء والهوية الوطنية.

وفي التنمية والعمل: يتجلى في الإتقان الذي يرفع شأن الوطن، والابتكار الذي يحوّل التحديات إلى فرص، ويجعل من الصعاب سلالم ترتقي بها الأجيال نحو المستقبل.

وفي تماسك المجتمع: يتجسد في التآلف والتراحم، والتكاتف الذي يشد أزر البنيان، والوقوف صفًا واحدًا أمام كل ما يهدد أمنه واستقراره.

إننا ندافع عن الوطن لأننا نبتغي صون هويتنا التي تشربناها منذ خطواتنا الأولى، ولأننا نحمل أمانة أجيال قادمة نرجو أن تنشأ في واحة من الأمن، وتكبر في فضاء من الطمأنينة والكرامة. فالأوطان لا تحفظها حدودها وحدها، بل تحفظها يقظة أبنائها، وصدق انتمائهم، ووعيهم بما لهم من حقوق وما عليهم من مسؤوليات.

وما حب الوطن، إن صح التعبير، سوى فعل يقين؛ لا ترويه الشعارات بقدر ما يرويه عرق المجتهد، وإخلاص المعلم في محراب رسالته، وتفاني الطبيب في تضميد الجراح، وعزم الشاب في ميادين العطاء، وصدق كل إنسان يؤدي أمانته بإتقان. فلكل فرد ثغره الذي يحرسه، ولكل مخلص بصمته التي يتركها في مسيرة البناء؛ وكلنا للوطن دروع متكاتفة.

وهنا تتجلى دلالة «نحن طويق»؛ فكما يقف جبل طويق شامخًا في وجه تقلبات الزمن، تستمد عزائم أبناء الوطن قوتها من رسوخ الانتماء، وصلابة الإرادة، ووحدة الصف. لسنا مجرد أفراد تجمعهم أرض واحدة، بل روح واحدة تتعدد ميادين عطائها، وتلتقي على غاية واحدة: وطن آمن، ومجتمع متماسك، ومستقبل يليق بطموح أبنائه.

فالوطن عهد لا ينقضي، ووفاء لا يعتريه جفاء، وانتماء يتجدد بالفعل قبل القول. وكما عهدناه طودًا شامخًا لا تهزه الرياح، فلتكن قلوبنا له معاقل عزم، وأعمالنا شواهد وفاء، وأرواحنا عامرة بحبه.

لنبقَ على العهد؛ نحرسه بالوعي، ونبنيه بالعمل، ونصونه بالوفاء، لتظل راياته خفاقة في سماء المجد، واحةً للأمن والسلام، وفخرًا خالدًا تتوارثه الأجيال.

                                                              سميرة علي الشريف

#نحن_طويق

 

 

سميرة مثمي الشريف

أديبة سعودية وكاتبة رأي وفنانة تشكيلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.