كليوباترا

كليوباترا
عبقرية النص والرؤية المسرحية المعاصرة
بقلم/ أماني الزيدان
يتجلى نص مسرحية «مصرع كليوباترا» لأمير الشعراء أحمد شوقي كوثيقة فنية ووطنية بالغة الثراء، ترتكز عليها مداميك المسرح الشعري العربي الحديث، حيث لم يقف شوقي عند حدود التوثيق التاريخي الجاف، بل جاوز ذلك إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي من منظور شرقي خالص، مبرئاً الملكة المصرية من تهم الغواية والضعف التي كرستها السينما العالمية والمسارح الغربية امتداداً للبروباغندا الرومانية القديمة. إلا أن هذا النص العبقري، ورغم فخامته وجزالة أفكاره وبحوره الشعرية المتدفقة، ظل لقرن من الزمان رهين المناهج الدراسية الجافة والرفوف المنسية، وضحيّة لآليات تجسيد تقليدية حصرته في قالب «المسرح الإلقائي الكلاسيكي»، حيث يتحول الممثل فوق الخشبة إلى تمثال رخامي معنيّ بمخارج الحروف ونبرة الخطابة، مما أفرغ العمل من نبضه الدرامي وحركته الحية، وصنع جفوة بينه وبين وجدان النشء والشباب الذين يعيشون عصر الصورة والإيقاع السريع، ولا ينجذبون إلى الوعظ المجرد بل إلى صراع الهويات الحيّ والمبهر.
ومن واقع التجربة ككاتبة مسرحية ومدربة تنتمي لهذا الجيل، أرى أن إنصاف شوقي وتمكين فكرته الأصيلة لا يتحقق بالبكاء على أطلال النص، بل بإيجاد صيغة تصالحية مبتكرة تصهر أصالة الماضي وجزالة اللفظ بأدوات الإخراج المسرحي المعاصر وسينوغرافيته الحديثة. إن المخرج اليوم مطالب بتحرير القصيدة الشوقية من رتابة الإلقاء، وتدريب الممثلين على أن الشعر طاقة جسدية ونفسية حية تنعكس في الحركة والسينما الجسدية (Physical Theatre) لتترجم تقلبات كليوباترا بين العزة والأنفة والقلق الاستراتيجي، ليصبح الحوار مونولوجاً نفسياً متدفقاً ومقنعاً وليس قصائد مصفوفة للمفاخرة اللغوية. ويتلاقى هذا الأداء الحركي مع فضاء مسرحي تقشفي تعبيري يعتمد على سحر الإضاءة والظلال وتقنيات العرض الضوئي الرقمي (Mapping)، التي لا تنقل المتفرج إلى مصر القديمة بشكل فوتوغرافي بل تأخذه في رحلة بصرية تثير الخيال، وتجسد عبقرية شوقي وفكره من خلال تحويل الجدران إلى أمواج وخرائط متحركة تعبر عن العمق الاستراتيجي للملكة أثناء التخطيط للمعارك أو مواجهة قادة روما كأنداد سياسيين يملكون السيادة والذكاء.
إن ذروة هذا التحول المسرحي تكمن في إعادة صياغة المشهد الختامي للعمل، وهو مشهد الانتحار، حيث يجب ألا يُقدم كفعل يأس عاطفي أو انكسار أمام الهزيمة، بل كفعل سيادي وذروة مطلقة للحرية والكبرياء، تُوظف فيه إضاءة عمودية بيضاء حادة تبرز اختيار الملكة للموت بشروطها الخاصة رفضا للأسر، ليتحول السم إلى صك انتصار أبدي يُلهم الأجيال. بهذه الرؤية البصرية والحركية المتكاملة، يستعاد نبض «مصرع كليوباترا» ليكون عرضاً نابضاً وجاذباً يمتلك القدرة على استمالة الجمهور المعاصر، وتفكيك زيف الروايات الغربية المشوهة، مؤكداً أن الفخامة اللغوية وجزالة العصر القديم لا تتناقضان أبداً مع أدوات الإبهار الحديث، بل يمتزجان معاً لصناعة تجربة مسرحية حية تنبض بالهوية وتخاطب الوجدان بلمسة سحرية تأخذنا لزمن بعيد وتوقفنا عند حدود الإبداع الخالص.
كاتبة مسرح



