رحلة التمسرح

رحلة التمسرح
أ. أماني الزيدان
التمسرح ليس أن يقف الإنسان على خشبة، وإنما أن يكتشف في لحظة ما أن الحياة نفسها خشبة، وأن كل حضور إنساني قابل لأن يتحول إلى مشهد، وأن الإنسان لا يعيش فقط، وإنما يؤدي وجوده أيضًا. من هنا تبدأ رحلة التمسرح؛ رحلة لا تبدأ من المسرح، وإنما من الحياة، ولا تنتهي عند الستارة، وإنما تمتد إلى الطريقة التي نرى بها أنفسنا ونحن نُرى.
فالتمسرح هو اللحظة التي يغادر فيها الفعل عفويته الأولى، ليدخل منطقة الوعي بالأداء. إنه المسافة الغامضة بين أن تكون وأن تظهر، وبين أن تفعل وأن تعرف أنك تفعل أمام عين أخرى. ولذلك فالتمسرح ليس مرادفًا للمسرح؛ فالمسرح بناء فني مقصود، أما التمسرح فقابل لأن يولد في أكثر الأماكن عاديةً: في الطريق، وفي المدرسة، وفي مجلس، وفي منصة إعلامية، وفي احتفال، وفي خصومة، وفي لحظة صمت قد يقول فيها الجسد أكثر مما تقوله اللغة.
التمسرح يبدأ حين يظهر (الآخر). فالإنسان لا يتمسرح في العزلة بالدرجة نفسها التي يتمسرح بها أمام عين تراقبه. وحين يشعر الإنسان بأنه منظور إليه، يبدأ في ترتيب حضوره: يرتب صوته وحركته وصمته وملامحه ومسافة اقترابه وابتعاده. وهنا يتحول السلوك إلى أداء، والحضور إلى صورة، والواقع إلى احتمال لمشهد.
(الحالة الأولى): الوجود
ففي البداية هناك الإنسان كما هو؛ يفعل دون أن يفكر كثيرًا في شكل فعله. هذه هي الحالة الخام، حالة الحياة قبل أن تلتفت إلى مرآتها. لكن ما إن تدخل عين الآخر حتى يبدأ شيء ما في التغير.
(الحالة الثانية): الوعي
فبالنظر هنا يكتشف الإنسان أنه ليس وحده في المشهد. هناك من يراه، ومن يفسر حركته، ومن يمنح فعله معنى. فتنشأ تلك اللحظة الدقيقة التي يصبح فيها الإنسان ممثلًا دون خشبة. إنه لا يمثل بالضرورة، لكنه يصبح واعيًا بطريقة ظهوره.
(الحالة الثالثة): الدور
فعندما ندخل المجتمع ندخل أدوارًا كثيرة. نحن أبناء وآباء ومعلمون وطلاب ومسؤولون ومواطنون ومتحدثون ومشاهدون. وقد لا تكون هذه الأدوار زائفة، لكن لكل دور لغته وإيقاعه وحركته. فالإنسان لا يغير ذاته بالضرورة، لكنه يغير طريقة تقديم ذاته. وهنا يبدأ التمسرح الاجتماعي.
(الحالة الرابعة): المشهد
لا يعود الفعل منفردًا؛ يصبح له مكان وزمن وشخصيات وعلاقات. يتقدم أحدهم، ويتراجع آخر، ويصمت ثالث، وتتجه العيون نحو الرابع. وفجأة تتحول الواقعة إلى مشهد. قد يحدث ذلك في قاعة، أو شارع، أو مجلس، أو فصل دراسي. فالحدث، حين يصبح قابلًا للرؤية والتأويل، يبدأ في اكتساب ملامح المشهد.
(الحالة الخامسة): الفرجة
حين يظهر المتلقي، يتغير المؤدي. وحين يعرف الإنسان أن هناك من يشاهده، تتغير طبيعة حضوره. الجمهور ليس دائمًا ذلك الجمع الجالس أمام الخشبة؛ أحيانًا يكون الجمهور شخصًا واحدًا، وأحيانًا تكون الكاميرا، وأحيانًا تكون ذاكرة الآخرين. وهنا تصبح النظرة جزءًا من صناعة الفعل.
(الحالة السادسة): التشكيل
في هذه المرحلة يبدأ الإنسان في ترتيب المشهد. يختار ماذا يظهر وماذا يخفي، وأين يقف، ومتى يتحدث، ومتى يصمت. العفوية لا تختفي تمامًا، لكنها تدخل في حوار مع القصد. وهنا يقترب التمسرح من الفن.
(الحالة السابعة): المسرحة
حين يصبح الأداء مقصودًا، والمشهد مبنيًا، والجمهور حاضرًا، والعناصر منظمة، نصل إلى المسرحة. وهنا يولد المسرح بوصفه فنًا. لكن المفارقة أن المسرح ليس بداية الرحلة، وإنما نتيجتها؛ فالخشبة تأتي بعد أن يكون الإنسان قد اكتشف قابلية الحياة لأن تصبح عرضًا.
ومن هنا يمكن القول: كل مسرح تمسرح، لكن ليس كل تمسرح مسرحًا. فالتمسرح أوسع من الخشبة، وأكثر انتشارًا من العرض، وأعمق اتصالًا بالوجود الإنساني. إنه سؤال عن الطريقة التي نصنع بها حضورنا أمام الآخرين. ولذلك يمكن أن نجد التمسرح في السياسة حين يتحول الخطاب إلى صورة، وفي الإعلام حين يصبح الخبر أداءً، وفي التعليم حين يتحول الدرس إلى مشهد، وفي الاحتفال حين تصنع الجماعة طقسها، وفي وسائل التواصل حين يعيد الإنسان إخراج حياته قبل أن يعرضها.
وهنا تصبح الحياة أشبه بنص مفتوح؛ نحن نكتب بعض مشاهده، ونرتجل بعضها، ويكتب الآخرون أجزاء لا نملك السيطرة عليها. لكن أخطر ما في التمسرح ليس أن نمثل، وإنما أن ننسى أننا نمثل. فالإنسان قد يبدأ بأداء دور مؤقت، ثم يعتاد الدور، ثم يصدقه، ثم يصبح الدور هو ذاته. عندها لا تعود الخشبة أمامه، وإنما تسكن داخله. وهنا يتحول التمسرح من فعل إلى هوية، ومن أداء إلى وجود.
ولعل السؤال الفلسفي الأكبر ليس: هل نحن نمثل؟ وإنما: من نحن حين لا يكون هناك جمهور؟ هل تبقى الشخصية ذاتها عندما تنطفئ الأضواء؟ هل نعود إلى ذواتنا الأولى، أم أن الذات نفسها ليست سوى مجموعة من الأدوار التي تراكمت حتى أصبحت حقيقة؟
إن رحلة التمسرح، في جوهرها، رحلة من (أن نكون) إلى (أن نُرى)، ثم إلى (أن نؤدي)، ثم إلى (أن نصنع معنى لما نؤديه). وفي نهايتها نكتشف أن المسرح لم يكن مكانًا نذهب إليه، وإنما طريقة اكتشفنا بها الإنسان في نفسه. فالخشبة قد تكون خشبًا، لكن التمسرح هو أن تصبح الحياة قابلة لأن تُرى بوصفها مشهدًا.
كاتبة مسرح



