الثوابت والمتغيرات في المسرح

الثوابت والمتغيرات في المسرح
بقلم أ. أماني الزيدان
المسرح فنٌّ يتغير، لكنه لا يتبدل في جوهره. وهذه المفارقة هي التي جعلت المسرح قادرًا على البقاء كل هذه القرون؛ فهو في كل عصر يرتدي ثوبًا جديدًا، ويستعير لغة مختلفة، ويستفيد من تقنيات مستحدثة، لكنه يظل في جوهره فنًا يقوم على الإنسان والفعل والصراع والحضور والتواصل.
ولذلك فإن السؤال ليس: هل تغير المسرح؟ فالمسرح تغير، ولا يمكن إنكار ذلك، وإنما السؤال الأهم: ما الذي تغير فيه؟ وما الذي لا يجوز أن يتغير إذا أردنا أن نظل نسمي ما نشاهده «مسرحًا»؟
الثوابت في المسرح لا تعني القوالب الجامدة، ولا تعني أن نظل أسرى لما فعله المسرحيون قبلنا. فالثابت ليس بالضرورة شكلًا، وإنما قد يكون جوهرًا. يمكن أن تتغير الخشبة، وتتغير علاقة الممثل بالجمهور، وتتبدل طرائق الكتابة والإخراج، بل يمكن أن تدخل التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في صناعة العرض، لكن الإنسان يبقى حاضرًا؛ لأن المسرح في أساسه فعل إنساني.
وأول هذه الثوابت هو «الفعل المسرحي».
فالمسرح لا يقوم على الكلام وحده. الحوار جزء من المسرح، لكنه ليس المسرح كله. الشخصية المسرحية لا يكفي أن تتحدث، بل ينبغي أن تفعل، وأن يكون وراء كلامها رغبة أو هدف أو موقف أو صراع. فالجملة المسرحية لا تكتسب قيمتها من جمالها اللغوي فقط، وإنما من قدرتها على دفع الحدث إلى الأمام، أو الكشف عن الشخصية، أو صناعة التوتر.
ولهذا فإن النص الذي يمتلئ بالحوار، لكنه يفتقر إلى الفعل، قد يكون نصًا أدبيًا جميلًا، لكنه لا يصبح بالضرورة نصًا مسرحيًا حيًا.
وثاني الثوابت هو «الحضور».
المسرح يتميز عن كثير من الفنون بأنه يقوم على اللقاء الحي. الممثل موجود أمام المتلقي، والمتلقي موجود أمام الممثل، والحدث يحدث في اللحظة نفسها. قد تتغير طبيعة هذا الحضور بفعل التكنولوجيا، وقد يظهر الممثل عبر شاشة أو يتفاعل مع صورة رقمية أو واقع افتراضي، لكن فكرة اللقاء والتلقي تظل جزءًا أصيلًا من التجربة المسرحية.
أما الجمهور فهو الثابت الثالث.
لا يعيش المسرح كاملًا من دون متلقٍ. والجمهور ليس مجرد مجموعة تجلس في الظلام وتشاهد ما يحدث أمامها، بل هو طرف في العملية المسرحية، حتى لو كان تأثيره صامتًا. ضحك الجمهور، صمته، توتره، اندماجه، وحتى عدم تفاعله، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في إيقاع العرض وفي أداء الممثل.
وقد يتغير الجمهور من زمن إلى آخر، وتتغير ثقافته وذائقته وتوقعاته، لكن وجوده بوصفه شريكًا في الحدث المسرحي يبقى ثابتًا.
ثم يأتي «الصراع»، وهو أحد أهم أعمدة المسرح.
قد يكون الصراع بين شخصيتين، وقد يكون بين الإنسان والسلطة، أو بين الإنسان والمجتمع، أو بين الرغبة والواقع، أو داخل الشخصية نفسها. وليس من الضروري أن يكون الصراع صاخبًا أو مباشرًا؛ فقد يكون صامتًا، داخليًا، لا نراه إلا من خلال السلوك والنظرات والتردد والقرارات.
المهم أن يكون هناك شيء يدفع الشخصية إلى الفعل، ويضعها أمام اختيار أو مأزق أو مواجهة.
أما المتغيرات في المسرح فهي كثيرة، وربما كان أبرزها اللغة المسرحية.
فاللغة لم تعد محصورة في الحوار التقليدي، ولم يعد المسرحي مطالبًا دائمًا بأن يبني عرضه من خلال الكلمات وحدها. أصبحت الحركة، والإضاءة، والموسيقى، والصوت، والصمت، والفضاء، واللون، والصورة، وحتى جسد الممثل، لغات يمكن أن تحمل المعنى.
وهنا تغيرت أيضًا علاقة الممثل بالخشبة.
لم يعد المسرح بالضرورة ذلك المكان المغلق الذي يجلس فيه الجمهور في جهة، ويقف الممثلون في الجهة المقابلة. يمكن أن يكون العرض في الشارع، أو الساحة، أو المتحف، أو أي فضاء آخر يمكن تحويله إلى مكان للفعل والتلقي.
فالخشبة ليست بالضرورة خشبة خشبية.
الخشبة الحقيقية هي المكان الذي يتحول فيه الفضاء إلى فضاء درامي.
ومن المتغيرات المهمة كذلك شكل البناء الدرامي. فقد كان البناء التقليدي يميل إلى ترتيب الأحداث في تسلسل واضح، ثم جاءت تجارب مسرحية كسرت التسلسل الزمني، واستخدمت الاسترجاع والاستباق والتقطيع والمونتاج وتعدد الأصوات والمشاهد المتوازية.
وهذا ليس خروجًا على المسرح، بل هو أحد أشكال تطوره.
لكن المشكلة تظهر حين يصبح التغيير هدفًا في ذاته.
فليس كل ما يخالف المألوف إبداعًا، وليس كل ما يبدو غريبًا تجريبًا، وليس كل استخدام للتقنية حداثة.
قد يستخدم المخرج أحدث التقنيات، ويقدم عرضًا شديد الإبهار بصريًا، لكنه يظل فارغًا من الداخل. وقد يقدم مسرحي آخر عرضًا بسيطًا لا يعتمد إلا على ممثل وإضاءة محدودة، لكنه يترك أثرًا عميقًا في المتلقي.
التقنية لا تصنع المسرح.
التقنية أداة، وقيمتها في الطريقة التي يستخدمها بها الفنان.
وهنا تكمن المسألة الأساسية في العلاقة بين الثابت والمتغير.
المسرح الذي يتمسك بالثوابت بوصفها أشكالًا جامدة يتحول إلى تقليد، والمسرح الذي يتخلى عن كل الثوابت باسم التجديد قد يفقد هويته.
كاتبة مسرح



