الفعل المسرحي..

الفعل المسرحي..
بقلم.د. عبدالرحمن الوعلان
المسرح ليس كلامًا يُقال،ولا أجسادًا تتحرك فوق الخشبة،ولا حوارًا يتبادله ممثلون ينتظرون نهاية المشهد.المسرح،في جوهره،فعل.
والفعل هو الذي يمنح المسرح حياته،ويجعل المتلقي يشعر أن شيئًا يحدث أمامه،وأن ما يحدث الآن يمكن أن يغيّر ما سيحدث بعد لحظة.ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال:«ماذا ستقول الشخصية؟»هو سؤال أكثر أهمية:«ماذا ستفعل؟».
فالشخصية المسرحية لا تدخل الخشبة لمجرد الدخول،ولا تتحدث لمجرد ملء الفراغ،ولا تصمت لمجرد التوقف عن الكلام.كل حركة وكل كلمة وكل نظرة وكل صمت ينبغي أن يكون له أثر في مسار الحدث.قد يدخل شخص إلى المكان فلا يتغير شيء،فتكون حركته مجرد حركة،وقد يدخل الشخص نفسه في لحظة أخرى فيقلب ميزان الصراع،فتصبح لحظة الدخول فعلًا مسرحيًا.وقد يقول الممثل عشر جمل جميلة لا تحرك المشهد خطوة واحدة،بينما قد تكون جملة واحدة كافية لتغيير علاقة كاملة بين شخصيتين.
ومن هنا يأتي الفارق بين الحركة والفعل، الحركة يمكن أن نراها،أما الفعل فنرى أثرها، أن يرفع الممثل يده حركة،لكن أن يرفعها ليهدد شخصًا أو ليمنعه من الرحيل أو ليعلن موقفًا،فهذا فعل.أن يفتح الباب حركة،لكن أن يفتح الباب ليواجه عدوًا أو ليستقبل شخصًا ينتظره منذ سنوات،فهنا يتحول فتح الباب إلى فعل درامي.المسرح لا يهتم بما تفعله الشخصية فقط،بل بما يترتب على ما فعلته.
وللفعل المسرحي صور كثيرة؛فمنه الفعل الخارجي الذي يظهر في الحركة والسلوك،كالدخول والخروج والمواجهة والهروب والضرب والاحتضان وتمزيق الرسالة وإغلاق الباب،لكن قيمة هذه الأفعال لا تكمن في شكلها،بل في وظيفتها داخل البناء الدرامي.فالصفعة ليست مهمة لأنها صفعة،وإنما لأنها قد تنهي علاقة أو تبدأ خصومة أو تكشف كراهية ظلت مخفية.والرحيل ليس مهمًا لأن الشخصية خرجت من الخشبة،بل لأن خروجها قد يترك وراءه أزمة أو يغيّر مصير شخصية أخرى.
وهناك الفعل الكلامي،وهو من أكثر الأفعال حضورًا في المسرح؛فالكلمات في المسرح ليست دائمًا وصفًا للأشياء،بل قد تكون هي نفسها أفعالًا.حين تقول الشخصية:«أنت مطرود»،فهي لا تصف الطرد وإنما تطرد.وحين تقول:«أعترف»،فهي تعترف.وحين تقول:«أحبك»،فهي لا تخبرنا فقط عن شعورها،بل قد تكون بصدد اتخاذ موقف يغير العلاقة كلها.وهنا يصبح الحوار المسرحي الحقيقي فعلًا متتابعًا؛اتهام،اعتراف،تهديد،إغراء،رفض،استعطاف،تحريض،خداع،إقناع،كشف أو قرار؛،ولهذا فإن الحوار الذي لا يغير شيئًا في المشهد يمكن أن يكون جميلًا من الناحية الأدبية،لكنه يظل بعيدًا عن جوهر الفعل المسرحي.
وهناك فعل آخر لا يقل أهمية،وهو الفعل النفسي.فالخوف فعل،والتردد فعل،والغيرة فعل،والشك فعل،والرغبة فعل،والندم فعل،واتخاذ القرار فعل.قد يقف الممثل في مكانه دون أن يتحرك،لكننا نشعر أن شيئًا هائلًا يحدث داخله.إنه يصارع نفسه،ويقاوم رغبة،ويخفي حقيقة،أو يتردد أمام قرار سيغير حياته.وهنا تظهر قيمة الأداء المسرحي؛فالممثل لا يؤدي الكلمات فقط،بل يؤدي ما وراء الكلمات،ويجعل الجمهور يرى ما لا يُرى.
لكن الفعل لا يصبح دراميًا كاملًا إلا حين يواجه فعلًا مضادًا.فالشخصية تريد شيئًا،وهناك من يمنعها من الوصول إليه.تريد أن ترحل،فيمنعها أحد.تريد أن تعترف،فتخاف من النتائج.تريد أن تحب،لكن الماضي يقف بينها وبين من تحب.ومن هنا يولد الصراع،والصراع هو الوقود الذي يدفع الفعل إلى الأمام.فلا يكفي أن تكون للشخصية رغبة،بل يجب أن تكون هناك قوة تقاوم هذه الرغبة.وكلما اشتدت الرغبة واشتدت المقاومة،ازداد التوتر،وأصبح المتلقي أكثر تعلقًا بما سيحدث.
ومن الأفعال التي تمنح المسرح قدرته على التشويق فعل الكشف.أن تظهر حقيقة كانت مخفية،أو تنفتح رسالة،أو تكتشف شخصية أنها كانت مخدوعة،أو يعرف الجمهور سرًا لم تكن الشخصية تعرفه.لكن الكشف لا تكون قيمته في المعلومة الجديدة وحدها،بل في قدرته على تغيير مسار الأحداث.فالحقيقة التي تُقال ثم لا ينتج عنها شيء ليست أكثر من معلومة،أما الحقيقة التي تقلب موقف الشخصية وتدفعها إلى اتخاذ قرار جديد،فهي فعل مسرحي كامل.
ولعل من أكثر الأفعال المسرحية قوة ذلك الذي لا يصدر عن الكلام أصلًا؛فالصمت يمكن أن يكون فعلًا.حين يسأل الأب ابنه سؤالًا خطيرًا ولا يجيبه،فإن صمته قد يكون اعترافًا أو خوفًا أو تحديًا أو رفضًا.وحين تعرض شخصية المصالحة وتبقى الأخرى صامتة،فإن هذا الصمت قد يكون أقسى من كلمة الرفض.الصمت في المسرح ليس فراغًا بالضرورة؛أحيانًا يكون الكلام الذي عجزت الشخصية عن قوله،وأحيانًا يكون القرار الذي اختارت أن تقوله دون كلمات.
وهناك الفعل التحويلي،وهو من أعمق الأفعال الدرامية؛ذلك الذي يجعل الشخصية التي دخلت المشهد ليست هي الشخصية التي تخرج منه.يدخل الخائف فيخرج شجاعًا،ويدخل الواثق فيخرج مهزومًا،وتدخل الشخصية وهي تكره فتخرج وقد سامحت،أو تدخل وهي تعتقد أنها تعرف الحقيقة ثم تخرج وقد اكتشفت أنها كانت تعيش وهمًا.وهنا تحقق الدراما واحدة من أعظم وظائفها؛أن تجعلنا نشاهد الإنسان وهو يتغير تحت ضغط الأحداث.
ولا يقتصر الفعل المسرحي على الإنسان وحده؛فقد يصبح المكان أو الشيء جزءًا من الفعل.باب مغلق قد يعني حصارًا،وكرسي فارغ قد يعني غيابًا،وصورة ممزقة قد تحمل تاريخ علاقة كاملة،وسيف موضوع على الطاولة قد يظل صامتًا لكنه يفرض حضوره على الجميع.وهنا تتجلى خصوصية المسرح؛فكل ما يوجد على الخشبة يمكن أن يتحول إلى جزء من الفعل إذا أصبح له تأثير في المعنى أو الصراع أو الحدث.
أما المفاجأة،فليست مجرد حدث غريب لم يتوقعه الجمهور؛المفاجأة المسرحية الحقيقية هي أن يحدث شيء لم نتوقعه،ثم نكتشف بعد حدوثه أنه كان ممكنًا ومبررًا.الخيانة،والاعتراف،والعودة،والرحيل،والموت،وظهور شخصية غائبة،كلها يمكن أن تكون أفعالًا مفاجئة،لكن قوتها لا تقاس بمدى صدمتها،بل بمدى قدرتها على تغيير مسار الحكاية.
ومن هنا يمكن النظر إلى المسرحية كلها باعتبارها سلسلة من الأفعال والنتائج؛فعل يؤدي إلى رد فعل،ورد الفعل يولد فعلًا مضادًا،والفعل المضاد يقود إلى نتيجة،والنتيجة تفتح بابًا لفعل جديد.وهكذا تتحرك الدراما باستمرار.فالمشهد المسرحي الجيد لا يقف في مكانه؛كل لحظة فيه تدفع اللحظة التي بعدها،وكل قرار يخلق مشكلة جديدة،وكل مشكلة تجبر الشخصية على اتخاذ قرار آخر.
ولهذا فإن الكاتب المسرحي حين ينتهي من كتابة مشهد،ينبغي ألا يسأل فقط:هل الحوار جميل؟بل يسأل:ماذا تغير في هذا المشهد؟ماذا اكتشفت الشخصيات؟ماذا خسرت؟ماذا كسبت؟ما القرار الذي اتخذته؟وما الذي أصبح مستحيلًا بعد هذه اللحظة؟
فالمسرح في النهاية ليس فن الحركة،ولا فن الحوار وحده،وإنما هو فن التغيير.الفعل المسرحي هو اللحظة التي تتحول فيها الكلمة إلى موقف،والموقف إلى صراع،والصراع إلى حدث،والحدث إلى تحول.وحين يخرج المتلقي من المشهد وهو يشعر أن شيئًا قد تغير،في الشخصية أو في العلاقة أو في الحقيقة أو حتى في داخله هو،فقد نجح المسرح في مهمته.
لذلك فإن الكاتب الذي يبحث عن المسرح لا ينبغي أن يبدأ من الكلمات،بل من الأفعال.يسأل شخصياته:ماذا تريدون؟ما الذي يمنعكم؟إلى أي مدى أنتم مستعدون للذهاب من أجل ما تريدون؟وماذا سيحدث إذا فشلتم؟ثم يترك الأفعال تتصارع،والشخصيات تتغير،والأحداث تتصاعد،حتى تصل الحكاية إلى اللحظة التي لا يعود بعدها شيء كما كان.
عندها فقط تتحول الخشبة من مكان تُقال فيه الكلمات إلى عالم يحدث فيه شيء حقيقي.
فالناس لا يأتون إلى المسرح ليسمعوا ما تعرفه الشخصيات،بل ليشاهدوا ما ستفعله الشخصيات بما تعرفه.
وهنا،في هذه المسافة الصغيرة بين«أن تقول»و«أن تفعل»،تولد الدراما.



