كُتاب الرأي

خلف المستثقفين… كوماً من الرماد!!

خلف المستثقفين… كوماً من الرماد!!

بقلم د. عبدالرحمن الوعلان

لم أكن أتخيل يومًا أن أجد في المشهد الثقافي في عالمنا العربي ما يمكن أن أسميه «النفاق الثقافي»؛ أن تتسع المسافة بين ما يكتبه الإنسان وما يعيشه، وبين ما يقوله عن القيم وما يفعله حين تختبره الحياة، إلى الحد الذي يصبح فيه النص شيئًا، وصاحبه شيئًا آخر. بعض المواقف لا تحتاج إلى قارئ ناقد، ولا إلى ناقد أدبي، ولا إلى سنوات من متابعة التجربة؛ يكفي موقف واحد، لحظة غضب، اختلاف عابر، أو كلمة تُقال حين تسقط الحسابات، حتى ترى الإنسان كما هو، لا كما أراد أن يراه الآخرون. فالمواقف أحيانًا أكثر صدقًا من الكتب، وأكثر بلاغة من القصائد، وأكثر كشفًا من عشرات الأمسيات والمنصات. قد يقضي الإنسان سنوات وهو يبني حول نفسه صورةً ثقافيةً متقنة؛ يكتب عن الجمال، ويتحدث عن الإنسان، ويستدعي الأخلاق في نصوصه، ويحتفي بالحب، ويقف أمام الجمهور متوشحًا بالمفردات اللامعة والصور البديعة، ثم تأتي لحظة واحدة فتسقط كل تلك الزينة دفعة واحدة. عندها تدرك أن بعض الأقنعة لا تسقط لأنها متهالكة، وإنما لأن الموقف كان أقوى من قدرتها على الصمود. ولهذا، ليس كل من حمل كتابًا مثقفًا، ولا كل من اعتلى منصةً صاحب مشروع ثقافي، ولا كل من أقام أمسيةً أصبح ذا شأن ثقافي، ولا كل من أصدر ديوانًا أو روايةً أصبح بالضرورة أديبًا بالمعنى الذي تمنحه الكلمة من مسؤولية ووعي وإنسانية. فالثقافة ليست عدد الكتب على الرفوف، ولا عدد الصور في الأمسيات، ولا عدد الدعوات التي تصل إلى الهاتف، ولا التصفيق الذي يملأ القاعات؛ الثقافة أعمق من ذلك بكثير. الثقافة هي ما يبقى منك حين تنتهي المنصة. هي أخلاقك عندما تغضب، واتزانك عندما تختلف، ورقيك عندما تستطيع أن تؤذي ولا تفعل، وقدرتك على احترام الإنسان حتى عندما لا تتفق معه. أما أن تكتب عن الأخلاق ثم تهدمها في أول اختبار، وأن تتحدث عن الحب ثم تجعل من رغباتك مبررًا لإيذاء الآخرين، وأن تتغنى بالجمال بينما تترك كلماتك جرحًا في نفوس من حولك؛ فهنا لا تكون المشكلة في اللغة، وإنما في صاحب اللغة. قد يملك أحدهم قدرةً مدهشة على صناعة الجملة، لكنه يعجز عن صناعة موقف نبيل، وقد يعرف كيف ينسج استعارةً آسرة، لكنه لا يعرف كيف ينسج علاقةً إنسانيةً قائمة على الاحترام، وقد يمتلك قاموسًا ثريًا من المفردات، لكنه يفتقر إلى أبسط مفردات الأخلاق. وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية الحقيقية للثقافة. فما قيمة أن تكتب عن الرحمة إذا كانت قسوتك تسبق كلماتك؟ وما قيمة أن تتحدث عن التسامح إذا كان اختلافك مع الآخر يحولك إلى شخص آخر؟ وما قيمة أن تجعل الإنسان محور نصوصك، ثم تسقط إنسانيته من حساباتك عندما تختلف معه؟ إن الأدب الحقيقي لا يُختبر في لحظة التصفيق، وإنما في لحظة الغضب، والمثقف الحقيقي لا تظهر ثقافته عندما يجلس أمام جمهور ينتظر كلماته، بل عندما يكون وحيدًا أمام موقف يستطيع فيه أن يؤذي إنسانًا، ثم يقرر أن يكون أرقى من غضبه. هناك فقط نعرف الفرق بين من يكتب الثقافة ومن يعيشها. فقد تُضاء القاعات، وترتفع المنصات، وتُلتقط الصور، وتُتداول النصوص، ويصفق الجمهور، لكن كل ذلك ينتهي في اللحظة التي تنطفئ فيها الأضواء. وحين تنطفئ المنصة، لا يبقى الميكروفون، ولا يبقى الديوان، ولا تبقى الصورة، ولا يبقى التصفيق؛ يبقى الإنسان وحده أمام نفسه. وهنا أتوقف عند ظاهرة أراها جديرة بالتأمل: صناعة الصورة الثقافية؛ حين تصبح الثقافة واجهةً اجتماعية، والكتابة وسيلةً لتلميع الذات، والشعر ستارًا تختبئ خلفه التناقضات، وتتحول المنصات إلى مساحات لإنتاج صورة مثالية لا تجد لها امتدادًا في السلوك. وليس المقصود هنا شخصًا بعينه، بقدر ما أقصد ظاهرة يمكن أن تتسلل إلى أي مشهد ثقافي حين يصبح اللقب أهم من المعنى، والصورة أهم من الجوهر، والحضور أهم من الأثر. فالمواقف وحدها تمتلك ذلك الضوء القاسي الذي لا يجامل أحدًا. الموقف لا يقرأ ما كتبه الإنسان عن نفسه؛ بل يكشف ما كتبه الإنسان في داخله. ولهذا قد تكون لحظة واحدة كافية لإعادة قراءة سنوات كاملة. قد تقرأ قصيدةً بعد موقف صاحبها فتراها بطريقة مختلفة، وقد تعود إلى نصوص كتبها عن الحب، فتسأل نفسك: أين كان الحب حين احتاجه إنسان أمامه؟ وقد تقرأ حديثه عن الأخلاق، فتكتشف أن الكلمات كانت تعرف الطريق إلى الورق، لكنها لم تجد طريقها إلى السلوك. وهنا لا يعود السؤال: ماذا كتب؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا فعل عندما اختُبر بما كتب؟ فالثقافة التي لا تهذب صاحبها ليست إلا معرفةً متراكمة، والثقافة التي لا تمنحه قدرةً على احترام الآخرين ليست إلا مظهرًا، والأدب الذي لا يترك في صاحبه شيئًا من النبل يبقى حبرًا مهما كانت جمالياته. إن الإنسان يستطيع أن يخدع قارئًا بنص، وأن يخدع جمهورًا بصورة، وأن يصنع لنفسه حضورًا في المشهد الثقافي، لكنه لا يستطيع أن يخدع المواقف طويلًا. فالمواقف غربال، والزمن غربال آخر، وحين تمر السنوات، تتساقط الزخارف، وتبقى الحقيقة. وحينها قد لا تجد خلف بعض الواجهات اللامعة إلا رمادًا؛ رماد صورةٍ احترقت عندما اصطدمت الكلمات بالسلوك، ورماد خطابٍ ثقافي لم يصمد أمام أبسط اختبار إنساني. ومن هنا جاء هذا العنوان: «خلف المستثقفين… كوماً من الرماد!!» ليس لأن الثقافة رماد، ولا لأن الأدب كذلك؛ بل لأن بعض الصور التي تُبنى باسم الثقافة قد تحترق حين تلامسها حقيقة الإنسان. فالثقافة الحقيقية لا تحتاج إلى قناع، والأدب الحقيقي لا يحتاج إلى ادعاء، والإنسان النبيل لا يحتاج إلى أن يعلن نُبله؛ يكفي أن نراقبه عندما يغضب، ويكفي أن نراه عندما يختلف، ويكفي أن نرى كيف يتعامل مع من لا يحتاج إليه، وكيف يتحدث عن الغائب، وكيف يحفظ كرامة من اختلف معه، وكيف يتصرف عندما لا يكون هناك جمهور. هناك فقط تبدأ الإجابة. فليس كل إنسانٍ مثقفًا، وليس كل مثقفٍ نبيلًا، وليس كل شاعرٍ شاعرًا بالمعنى الذي تصنعه الكلمة في وجدان الناس، وإنما المثقف الحقيقي هو من جعل من ثقافته أخلاقًا، ومن أدبه إنسانيةً، ومن كلماته جسرًا لا خنجرًا، ومن حضوره أثرًا لا قناعًا. وعندما يصبح ما نكتبه هو ما نعيشه، عندها فقط تستحق الثقافة أن تُسمى ثقافة. أما ما عدا ذلك، فقد لا يبقى خلف الواجهة سوى كوماً من الرماد.
فيا أيها المستثقف اللا نبيل يؤسفني أنك لم تسقط فحسب، بل هويتْ ..

كاتب رأي 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.