كُتاب الرأي

*حرب ودروس مستفادة .*

*حرب ودروس مستفادة .*

*رؤية تحليلية للكاتب من خلال المصادر الإعلامية المفتوحة .*

*السبت الموافق (15) أغسطس 2026م.*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ الحروب لا تختبر قوة الجيوش وحدها بل تختبر قدرة الدول على حماية أمنها واقتصادها واستمرار حياتها تحت الضغط. }

كشفت الحرب الأمريكية ضد النظام الإيراني منذ اندلاعها في الثامن والعشرين من فبراير الماضي أن الحروب الحديثة لم تعد مواجهة عسكرية محصورة في ميادين القتال. فقد امتدت آثارها إلى الممرات البحرية والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والموانئ والمجال الجوي والمنشآت الحيوية والأسواق العالمية وأعادت إلى الواجهة أهمية قدرة الدول على الاستمرار عندما تتعرض طرق الحركة والتجارة والطاقة للاضطراب.

وبعد ما يقارب ستة أشهر من هذه الحرب الضروس تبدو الدروس المستفادة أكثر أهمية من متابعة تفاصيل العمليات اليومية نفسها. فالحروب تنتهي عاجلا أو آجلا لكن ما تكشفه من نقاط قوة وضعف قد يرسم سياسات الدول لعقود قادمة.

مضيق هرمز والبدائل الاستراتيجية.

أعاد الصراع تأكيد حقيقة معروفة لكنها أصبحت أكثر وضوحا وهي أن اعتماد جزء كبير من تجارة الطاقة على ممر بحري ضيق يجعل أمنه قضية دولية وليس شأنا يخص دولة بعينها.

ولا تعني الاستفادة من هذا الدرس القبول بأي مساس بحرية الملاحة في مضيق هرمز أو البحث عن بديل يلغي أهميته. فالمضيق ممر دولي بالغ الأهمية وستظل حرية المرور فيه قضية أساسية للاقتصاد العالمي. لكن أمن صادرات الدول ووارداتها لا ينبغي أن يبقى مرهونا بطريق واحد مهما بلغت القدرة على حمايته.

وهنا تظهر أهمية ما بنته المملكة العربية السعودية عبر عقود من منشآت وخطوط أنابيب وموانئ على ساحلي الخليج العربي والبحر الأحمر وفي مقدمتها منظومة نقل النفط من شرق المملكة إلى ينبع. كما تبرز أهمية مواصلة تطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية وقدرات التخزين وربطها ضمن شبكة وطنية متكاملة.

والهدف الاستراتيجي واضح:

{ إذا تعطل مسار بقيت المسارات الأخرى قادرة على العمل. }

وهذا المبدأ يتجاوز النفط والطاقة. فالأمن الحقيقي لسلاسل الإمداد يعني تنويع طرق وصول الغذاء والدواء والمواد الخام والمعدات وقطع الغيار والسلع الاستراتيجية وعدم الاعتماد المفرط على ميناء أو طريق أو ممر بحري واحد.

فالبديل الاستراتيجي لا يكتمل بمجرد وجود طريق آخر بل بحماية ذلك الطريق وموانئه ومنشآته ومراكز تخزينه واتصالاته وضمان قدرته على العمل تحت الضغط.

أمن الممرات والتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات.

أثبتت الحرب أن إيجاد بديل لمضيق هرمز لا يكفي إذا انتقل الخطر إلى الطريق البديل نفسه.

فعودة الحوثيين الإرهابيين إلى استهداف الملاحة في باب المندب وجنوب البحر الأحمر تؤكد أن أمن الممرات البحرية مترابط. وما يحدث في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب وخليج عدن وباب المندب وجنوب البحر الأحمر لا ينبغي أن يقرأ باعتباره أزمات منفصلة.

ومن أبرز الدروس العملية التي خرجت من رحى هذه الحرب أن حماية البحار والممرات الاستراتيجية مسؤولية دولية مشتركة لا تستطيع دولة واحدة مهما بلغت قوتها تحملها منفردة.

ومن هذا المفهوم جاءت مبادرة المملكة العربية السعودية لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات. وقد انتقل التحالف خلال فترة وجيزة من مرحلة المبادرة والتأسيس إلى استكمال بناء أجهزته وقيادته متعددة الجنسيات. وفي أحدث خطواته عقد بمدينة جدة يوم الجمعة الرابع عشر من أغسطس اجتماع التخطيط الثالث بمشاركة ممثلين عن تسع وثلاثين دولة لاستكمال الترتيبات العملية اللازمة لتفعيل أجهزة التحالف وقيادته متعددة الجنسيات.

ويعكس اتساع المشاركة الدولية وتواصل انضمام دول جديدة إلى التحالف أهمية الممرات البحرية التي يستهدف حمايتها كما يؤكد أن أمن الملاحة الدولية لم يعد مسؤولية دولة منفردة بل مسؤولية جماعية تتطلب تبادل المعلومات والتنسيق والتخطيط والعمليات والتدريب وبناء القدرات بصورة مستمرة.

والقيمة الاستراتيجية للتحالف لا تقاس بعدد الدول أو السفن وحدها بل بقدرته على بناء صورة بحرية مشتركة وتبادل المعلومات والاستخبارات والإنذار المبكر وتنسيق المراقبة والتخطيط والعمليات البحرية المشتركة وحماية السفن التجارية وناقلات الطاقة ورفع القدرة على الاستجابة للتهديدات البحرية المشتركة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

فالسفينة الحربية لم تعد تواجه سفينة حربية أخرى فقط بل قد تواجه صاروخا ساحليا أو مسيرة جوية أو زورقا غير مأهول أو لغما بحريا أو هجوما إلكترونيا يستهدف أنظمة الملاحة والاتصالات.

ومن هنا يقدم التحالف نموذجا مهما لمفهوم أوسع:

{ أمن الممرات الدولية مسؤولية مشتركة. }

فالاضطراب في أي ممر استراتيجي لا يبقى في البحر بل ينتقل إلى تكاليف التأمين والشحن والطاقة والأسواق ثم إلى المستهلك والاقتصاد العالمي.

الأمن الغذائي والدوائي والمخزون الاستراتيجي.

ومن الدروس التي ينبغي عدم إغفالها أن سلاسل الإمداد ليست مسألة تجارية فقط بل أصبحت جزءا من الأمن الوطني.

فالحرب التي تعطل ميناء أو ممرا بحريا أو مجالا جويا يمكن أن تؤثر في وصول الغذاء والدواء والمواد الصناعية وقطع الغيار بالسرعة نفسها التي تؤثر بها في صادرات الطاقة.

ولهذا تصبح زيادة مرونة سلاسل الإمداد وتعدد مصادر الاستيراد وطرق النقل ورفع كفاءة المخزون الاستراتيجي وتوزيع المستودعات ومراكز التخزين وتعزيز الصناعات الوطنية الأساسية عناصر مكملة للقدرة الدفاعية.

فالمخزون الاستراتيجي ليس مستودعا للطوارئ فحسب بل مساحة زمنية تمنح الدولة حرية القرار حتى تجد طرق الإمداد البديلة وتتكيف الأسواق مع الأزمة.

إنهاء خطر الأذرع الإرهابية وعزل السلوك العدواني.

ومن أهم دروس الحرب أن سياسة النظام الإيراني القائمة منذ عقود على بناء الجماعات الإرهابية المسلحة خارج حدوده مكنته من نقل التهديد إلى دول وممرات بحرية بعيدة عن الأراضي الإيرانية وتحويل هذه الجماعات إلى أدوات ضغط تستخدم عندما تقتضي مصالحه ذلك.

ولذلك فإن انتهاء الحرب دون معالجة هذا الخطر يعني الإبقاء على أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة.

والمعالجة لا ينبغي أن تكون عسكرية فقط بل سياسية وأمنية وقانونية واقتصادية واستخباراتية. تبدأ بتجفيف مصادر التمويل ووقف تهريب الأسلحة وتعطيل شبكات التدريب والاتصالات وملاحقة القيادات الإرهابية ودعم مؤسسات الدول الوطنية الشرعية وتمكينها من بسط سلطتها على أراضيها وحدودها وموانئها ومنع وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة.

وهذا بالغ الأهمية في اليمن والعراق ولبنان وغيرها لأن احتفاظ الجماعات الإرهابية المسلحة بقدرات عسكرية مستقلة يعني الاحتفاظ بأسباب الأزمة القادمة حتى بعد انتهاء الأزمة الحالية.

ويتصل بذلك ضرورة بناء موقف دولي أكثر اتساعا تجاه السياسة العدوانية الهجومية التي انتهجها النظام الإيراني منذ العام 1979م وحتى تاريخه وما ارتبط بها من دعم الجماعات الإرهابية المسلحة وتهديد دول المنطقة والملاحة الدولية.

وهذا يتطلب عملا دبلوماسيا وقانونيا مستمرا لتوثيق الانتهاكات ودعم تطبيق القرارات الدولية وملاحقة شبكات التمويل والتسليح وتعزيز الموقف الدولي الرافض لاستخدام الممرات البحرية والطاقة والتجارة العالمية أدوات للضغط والابتزاز.

لكن من الضروري الفصل بوضوح بين النظام الإيراني والشعب الإيراني. فالمقصود هو عزل السلوك العدواني للنظام ومحاسبة الجهات المسؤولة عنه وليس صناعة خصومة مع الشعب الإيراني الذي يبقى جزءا أصيلا من شعوب المنطقة .

إتفاق مكة سبق الحرب .

جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ولذلك قد تبدو لمن يقرأ الأحداث سريعا وكأنها نتيجة مباشرة للحرب الحالية.

لكن المباحثات بين الدول الثلاث سبقت الحرب بمدة طويلة وكان مشروع الاتفاق مطروحا قبل اندلاع العمليات العسكرية في فبراير. ومن هنا فإن اتفاق مكة يمثل نتيجة لمسار استراتيجي سابق وليس تحالفا طارئا فرضته أحداث الأشهر الأخيرة.

وتزداد أهميته مع ما أعلن عن إنشاء آليات سياسية وعسكرية للتنسيق بين الدول الثلاث تشمل وزراء الدفاع والخارجية والقيادات العسكرية إضافة إلى التدريبات المشتركة والتعاون في الصناعات الدفاعية والإنتاج المشترك ونقل التقنية.

وهذه الشراكة يمكن أن تعزز التعاون في التدريب والتخطيط والإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري ومواجهة المسيرات والحرب الإلكترونية والاستخبارات والصيانة والإمداد والصناعات الدفاعية.

والمحصلة ليست إنشاء قوة موجهة ضد دولة بعينها وإنما تعزيز القدرات الدفاعية للدول الثلاث والمساهمة في الردع والأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم.

الشريك الأمريكي.

وتطوير المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان لقدراتها الدفاعية المشتركة لا يعني البحث عن بديل للولايات المتحدة الأمريكية أو الانتقاص من أهمية الشراكات الاستراتيجية القائمة معها.

فالولايات المتحدة تظل شريكا استراتيجيا بالغ الأهمية للمملكة العربية السعودية ولدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كما ترتبط بعلاقات عسكرية وأمنية مهمة مع تركيا وباكستان وفق أطر مختلفة.

ولهذا فإن اتفاق مكة والتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات وتطوير القدرات الدفاعية الوطنية والإقليمية لا ينبغي وضع أي منها في مواجهة الشراكة مع واشنطن.

{ بناء قدرة إقليمية أكبر لا يعني تقليص الشراكات الدولية بل يجعل هذه الشراكات أكثر قوة وتوازنا. }

فالشراكة الأكثر استدامة ليست التي يتحمل فيها طرف واحد جميع الأعباء بل التي يمتلك أطرافها القدرة والإرادة للمساهمة في حماية الأمن المشترك.

الدرس العسكري الأوسع.

كشفت الحرب أن التفوق العسكري لم يعد يقاس بعدد الطائرات والسفن والصواريخ وحدها بل بالقدرة على اكتشاف التهديد مبكرا وربط أجهزة الاستشعار بمراكز القيادة واتخاذ القرار بسرعة واختيار وسيلة المواجهة المناسبة بتكلفة يمكن استمرار تحملها.

كما كشفت العمليات أهمية تكامل الدفاع الجوي والصاروخي مع حماية المنشآت الحيوية ومرافق الطاقة والموانئ ومراكز القيادة والاتصالات وأظهرت أن مواجهة أعداد كبيرة من الصواريخ والمسيرات تحتاج إلى منظومة متكاملة لا إلى منصات تعمل بصورة منفصلة.

ويضاف إلى ذلك درس تؤكده التحولات العسكرية الجارية في المنطقة وهو أن مواجهة المسيرات لم تعد تقتصر على إسقاطها بعد إطلاقها بل تتجه نحو امتلاك قدرة غير مأهولة موازية تستطيع الاستطلاع والتعقب والاشتباك والعمل ضمن شبكة عمليات مشتركة.

وفي هذا السياق جاء إعلان القيادة المركزية الأمريكية تشكيل قوة مهام «فالكون سترايك» متعددة الجنسيات ومتعددة المجالات للمسيرات الهجومية ليعكس انتقالا مهما في مفهوم استخدام الأنظمة غير المأهولة. فالمعلن يتجاوز الطائرات المسيرة وحدها إلى دمج أنظمة غير مأهولة تعمل في الجو وعلى سطح البحر وتحته ضمن بيئة عملياتية مشتركة مع الشركاء الإقليميين.

وتكمن أهمية هذا التحول في بناء قوة موزعة عبر منصات غير مأهولة أقل كلفة نسبيا وتقليل تعريض الأطقم والمنصات المأهولة للخطر وتوسيع نطاق الاستطلاع والمراقبة والاشتباك عندما تتكامل هذه القدرات مع الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي والصاروخي والحرب الإلكترونية.

ويكتسب هذا التطور دلالة إضافية مع توسع العمل متعدد الجنسيات في المنطقة ومنها التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات. ولا يعني ذلك وجود ارتباط تنظيمي معلن بين التشكيلين ولا يعني مشاركة المملكة في «فالكون سترايك» ما لم يعلن ذلك رسميا وإنما يدل على اتجاه عسكري أوسع نحو بناء شبكات عمليات مشتركة توظف الأنظمة المأهولة وغير المأهولة بصورة متكاملة.

{ فالدرس لم يعد كيف نسقط المسيرة المعادية فقط بل كيف نكتشف مصدر التهديد مبكرا ونعطله ونمتلك في الوقت نفسه قدرة غير مأهولة موازية تعزز الردع. }

ومن هنا فإن التفوق في حروب المستقبل لن يكون لمن يمتلك العدد الأكبر من المسيرات وحدها بل لمن يستطيع أن يرى أولا ويفهم أسرع ويقرر في الوقت المناسب ويربط الإنسان والآلة والمعلومة والسلاح ضمن منظومة واحدة قادرة على الاستمرار تحت الضغط.

وأظهرت المسيرات والصواريخ منخفضة الكلفة كذلك أن الدفاع المستدام يحتاج إلى وسائل اعتراض متعددة المستويات تتناسب كلفتها مع طبيعة الهدف ولا تعتمد دائما على صاروخ مرتفع الثمن لمواجهة تهديد أقل كلفة.

كما أثبتت الحرب أن المخزون العسكري جزء من الردع. فامتلاك منظومة متقدمة لا يكفي إذا لم تتوافر الذخائر وقطع الغيار والقدرة الصناعية وسلسلة الإمداد التي تضمن استمرار تشغيلها عندما تطول المواجهة.

والدرس الأعمق أن المخزون لا ينبغي أن يقاس بما يكفي لبدء الحرب فقط بل بقدرة الدولة وحلفائها وقاعدتها الصناعية على تعويض ما يستهلك أثناء استمرارها. فالحرب الطويلة تختبر خطوط الإنتاج وسرعة التعويض بقدر ما تختبر منصات السلاح نفسها.

ومن هنا تكتسب الشراكات الدفاعية قيمتها الأكبر عندما تنتقل من شراء السلاح إلى التدريب والإنتاج المشترك ونقل التقنية وتوطين الصيانة وبناء المعرفة والقدرة الصناعية.

أمن المعلومات واستمرارية القيادة والسيطرة.

ومن الدروس التي فرضتها الحرب أن المعلومة أصبحت جزءا من ميدان القتال.

فالتضليل الإعلامي والحرب النفسية والهجمات السيبرانية والتشويش على الاتصالات والملاحة يمكن أن تسبق الضربة العسكرية أو ترافقها. ولذلك فإن حماية مراكز القيادة والاتصالات وشبكات الطاقة والبيانات والأنظمة المالية والموانئ والمطارات من الاختراق الإلكتروني أصبحت جزءا أصيلا من الدفاع الوطني.

لكن الحماية وحدها ليست كافية. فالحروب الحديثة تفرض كذلك ضمان { استمرارية القيادة والسيطرة } من خلال مراكز قيادة بديلة وشبكات اتصالات احتياطية وآمنة وقدرات موزعة تسمح باستمرار تدفق المعلومات واتخاذ القرار وإدارة العمليات ومؤسسات الدولة حتى إذا تعرضت بعض المراكز أو الشبكات الرئيسية للتعطيل.

كما أن سرعة تدفق المعلومات لا تعني دائما دقتها. ولهذا تبقى قدرة القيادة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والتضليل واتخاذ القرار في الوقت المناسب من أهم القدرات الاستراتيجية التي تختبرها الحروب الحديثة.

الدبلوماسية جزء من الردع.

وأثبتت الحرب في الوقت نفسه أن بناء القوة لا يتعارض مع خفض التصعيد.

فالقدرة الدفاعية القوية والتحالفات الفاعلة والدبلوماسية الهادئة ليست مسارات متناقضة بل يمكن أن تعمل معا. وكلما ارتفعت قدرة الدولة على حماية أمنها ومصالحها ازدادت قدرتها على التفاوض من موقع أكثر اطمئنانا.

وهنا تتضح أهمية السياسة التي تجمع بين الجاهزية الدفاعية والمحافظة على قنوات الاتصال ودعم الحلول السياسية ومنع اتساع الحرب إلى مواجهة إقليمية أشمل.

الخلاصة الاستراتيجية.

وتدل مجمل دروس هذه الحرب على أن مفهوم الأمن الوطني أصبح أوسع بكثير من حماية الحدود.

إنه أمن المجال الجوي والبحر والموانئ والطاقة والمياه والغذاء والدواء والاتصالات والبيانات والصناعة والمخزون الاستراتيجي وسلاسل الإمداد واستمرارية القيادة والسيطرة وقدرة مؤسسات الدولة على مواصلة العمل تحت الضغط.

كما أن إنهاء خطر الجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني وعزل سياسته العدوانية دوليا ينبغي أن يصبحا جزءا من معالجة أسباب عدم الاستقرار وليس مجرد رد فعل على الهجمات.

ويأتي التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات واتفاق مكة وتطوير البدائل اللوجستية والصناعات الدفاعية الوطنية والشراكات الاستراتيجية الدولية والاستفادة من التحول المتسارع في الأنظمة غير المأهولة ضمن منظومة واحدة هدفها زيادة الردع والمرونة والقدرة على الاستمرار.

{ قوة الدولة في الأزمات ليست في قدرتها على صد الضربة الأولى فقط بل في قدرتها على الاستمرار بعدها دون أن تتوقف حياتها أو اقتصادها أو قرارها. }

وتلك ربما تكون أهم رسالة خرجت من رحى هذه الحرب: أن حماية الأمن الوطني تقوي الأمن الإقليمي وأن استقرار المنطقة يحمي الممرات والتجارة والطاقة وأن التعاون بين الدول في مواجهة التهديدات المشتركة لا يخدم شعوب المنطقة وحدها بل يساهم في حماية الأمن والاستقرار والازدهار العالمي إجمالا .

كاتب رأي

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.