كُتاب الرأي

*حرب المسيرات .*

*حرب المسيرات .*

*رؤية تحليلية للكاتب.*

*الأحد الموافق (9) أغسطس 2026م.*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.

*{ تقاس القوة العسكرية اليوم بقدرتها على أن ترى أولا وتقرر أسرع وتصل إلى الهدف قبل خصمها. }*

دخلت الحروب الحديثة مرحلة جديدة أصبحت فيها الطائرات المسيرة أحد المكونات الرئيسية للقوة العسكرية وميدانا قائما بذاته للصراع بين الاستطلاع والهجوم والتشويش والاعتراض والإنتاج والابتكار. ويتجاوز هذا التحول إضافة منصة جديدة إلى ترسانة الجيوش ليغير الطريقة التي تكتشف بها الأهداف وتنقل المعلومات وتتخذ القرارات وتنفذ الضربات.

وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية المختبر العسكري الأكبر لهذا التحول. فقد أصبحت سماء الجبهة مكتظة بطائرات الاستطلاع ومسيرات الهجوم والذخائر الجوالة ومسيرات الرؤية بمنظور الشخص الأول حتى تغيرت طبيعة الحركة البرية نفسها. وتنسب تقديرات ميدانية حديثة إلى المسيرات نسبة متزايدة وقد تكون غالبية الخسائر في بعض قطاعات القتال.

ويتجاوز تأثير المسيرات عدد الأهداف التي تدمرها إلى المساحة التي تستطيع مراقبتها ومنع الخصم من الحركة بحرية داخلها. فقد ظهرت على امتداد الجبهات مناطق واسعة يطلق عليها { *مناطق القتل* } تراقب فيها المسيرات الحركة بصورة شبه مستمرة مما أجبر القوات والمركبات على زيادة التمويه والانتشار والتحرك في مجموعات أصغر. والدلالة العسكرية هنا أن المسيرة تستطيع التأثير في سلوك القوة المعادية قبل أن تطلق سلاحها لأن مجرد احتمال اكتشاف الحركة أصبح عاملا يفرض طريقة جديدة للانتشار والمناورة.

وتبرز مسيرات الرؤية بمنظور الشخص الأول المعروفة باسم إف بي في في قلب هذا التحول. فالمشغل يشاهد الهدف مباشرة ويوجه الطائرة حتى المرحلة الأخيرة مما حول منصة صغيرة منخفضة الكلفة إلى سلاح قادر على تهديد مركبات ومدافع ورادارات ومنشآت تزيد قيمتها عنها بمراحل كبيرة.

وتجاوز التطور التقني هذه المرحلة مع انتشار المسيرات الموجهة بالألياف الضوئية التي ترتبط بالمشغل بواسطة كابل دقيق بدلا من الاعتماد الكامل على الاتصال اللاسلكي التقليدي مما يقلل فاعلية وسائل التشويش الإلكتروني المعتادة ضدها. وشهد عام 2026 استخدامات ميدانية أكثر تطورا لهذه المسيرات ضمن هجمات منسقة وهو ما يكشف سباقا تقنيا تتغير فيه وسائل الهجوم والدفاع بسرعة متزايدة. وهكذا أصبحت القدرة على تعديل السلاح أثناء الحرب عاملا من عوامل القوة لا يقل أهمية عن خصائص السلاح عند دخوله الخدمة.

وفي الوقت نفسه تتجه الحرب إلى *{ عصر الإنتاج الكمي }.* فالمعادلة الجديدة تقوم على إنتاج أعداد ضخمة من المنصات منخفضة الكلفة وتعويض ما يفقد منها وتعديل تصميماتها وبرمجياتها بسرعة استجابة لما يحدث في ميدان القتال. وأصبح المصنع وسلسلة الإمداد وتوفير المكونات الإلكترونية عناصر مباشرة في القدرة القتالية للدولة. وهذا يعني أن التفوق في حرب الاستنزاف قد ينتقل من السؤال عن أفضل مسيرة إلى السؤال عن الدولة الأقدر على إنتاجها وتطويرها وتعويض خسائرها باستمرار.

وتقدم الحرب الأمريكية الحالية ضد النظام الإيراني نموذجا آخر لهذا التحول. فقد أصبحت الأنظمة غير المأهولة جزءا من بيئة العمليات الأمريكية في المنطقة إلى جانب المقاتلات والقاذفات والسفن ومنظومات الاستطلاع والقيادة والسيطرة. وسبقت العمليات خطوات أمريكية متسارعة لنشر مسيرات هجومية أحادية الاتجاه منخفضة الكلفة وبعيدة المدى في منطقة القيادة المركزية وتشغيل هذا النوع من القدرات ضمن بيئة برية وبحرية متكاملة.

والدلالة الأهم أن المسيرة في هذا النموذج لا تحل محل المقاتلة أو القاذفة أو السفينة وإنما تضيف إليها طبقة أخرى من الاستطلاع والمراقبة والهجوم والاستنزاف. ومن هنا تتجه القوة الحديثة نحو تشكيل مشترك تعمل داخله المنصات المأهولة وغير المأهولة بصورة متكاملة ويؤدي كل منها المهمة التي تحقق أفضل تأثير عملياتي بأقل كلفة ومخاطرة ممكنتين.

ويكشف حجم الاستثمار الأمريكي الاتجاه الذي تسير نحوه هذه القوة. فقد خصصت وزارة الدفاع الأمريكية في ميزانية السنة المالية 2026 نحو *{ 13.4 مليار دولار للأنظمة الذاتية والمشغلة عن بعد }* في المجالات الجوية والبرية والبحرية فوق سطح الماء وتحته. وتبرز ضمن هذه الاستثمارات مليارات الدولارات للطائرات غير المأهولة إلى جانب تطوير الأنظمة البحرية وتقنيات الاستقلالية والذكاء الاصطناعي. وهذه الأرقام تتجاوز معناها المالي لتشير إلى تحول طويل الأمد في بناء القوات والتسليح وليس استجابة مؤقتة لحرب بعينها.

وفي المجال البحري بنت القوات الأمريكية في منطقة القيادة المركزية خبرة متقدمة في دمج السفن المأهولة بالأنظمة غير المأهولة فوق سطح البحر وربطها بالمستشعرات والذكاء الاصطناعي ومراكز القيادة. كما تمتلك قدرات غير مأهولة للعمل تحت سطح البحر ضمن منظومة أوسع للمراقبة والاستطلاع والعمليات البحرية. أما استخدامها هجوميا تحت الماء في الحرب الحالية ضد النظام الإيراني فيبقى مرتبطا بما تعلنه الجهات العسكرية الأمريكية رسميا.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر العربي حيث تستطيع شبكات المستشعرات والمنصات المأهولة وغير المأهولة توسيع نطاق المراقبة وتقليص الزمن بين اكتشاف التهديد ونقل المعلومة واتخاذ القرار. وهنا تصبح قيمة المسيرة في المعلومات التي تجمعها وتشاركها مع بقية القوة بقدر قيمة السلاح الذي قد تحمله.

وتكشف التجربة الأمريكية بعدا آخر يتجاوز السلاح نفسه إلى *{ سرعة الابتكار }.* فقد أنشأت القيادة المركزية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة منظومات ووحدات متخصصة لتجربة الأفكار والتقنيات الجديدة وتسريع انتقال الحلول الناجحة من المختبر والصناعة إلى القوات العاملة. كما أتاحت عبر بوابات وبرامج ابتكار تابعة لها آليات إلكترونية لتقديم الأفكار والمقترحات التقنية من منتسبيها والعاملين في منظومتها واختبار ما يمكن تحويله منها إلى تطبيقات ميدانية.

وهنا يظهر تحول استراتيجي أعمق: *{ المبتكر أصبح جزءا من منظومة القتال }*. فالدولة القادرة على تحويل مشكلة تظهر في الميدان إلى فكرة ثم نموذج واختبار وإنتاج خلال أقصر زمن تستطيع انتزاع ميزة عملياتية حتى أمام خصم يمتلك منصة أكثر تطورا لكنه أبطأ في الاستجابة. ومن هذه الزاوية تصبح حرب المسيرات حرب ابتكار وإنتاج وزمن بقدر ما هي حرب أسلحة.

وتظهر في المقابل إحدى أهم معادلاتها وهي *{ كلفة الهجوم مقابل كلفة الدفاع }*. فقد تكلف المسيرة المهاجمة جزءا صغيرا من قيمة الهدف الذي تهدده أو وسيلة الدفاع المستخدمة لاعتراضها. واستخدام صاروخ دفاع جوي مرتفع الكلفة ضد تهديد منخفض الكلفة قد يحقق نجاحا تكتيكيا لكنه قد يتحول إلى استنزاف اقتصادي وصناعي إذا حافظ الخصم على هجماته بأعداد كبيرة.

ولهذا تتجه منظومات مكافحة المسيرات نحو الدفاع متعدد الطبقات الذي يجمع بين الرصد والحرب الإلكترونية ووسائل الاعتراض المختلفة. ويكشف حجم التحول أن حلف شمال الأطلسي أعلن في يوليو 2026 اعتزام دوله استثمار *{ أكثر من 40 مليار دولار خلال خمس سنوات في قدرات مكافحة المسيرات }* إلى جانب التوسع في التدريب وتطوير وسائل المواجهة. ويؤكد هذا الاتجاه أن المسيرات ومكافحتها أصبحتا جزءا من إعادة تشكيل الدفاع الجوي والأمن الجماعي لسنوات مقبلة.

وعندما تتكامل المسيرات الجوية مع الأنظمة غير المأهولة فوق سطح البحر وتحته ومع الأقمار الصناعية والاستطلاع والحرب الإلكترونية يظهر التحول الأعمق في طبيعة الحرب الحديثة:

{ *حروب المستقبل تتجه نحو شبكة متكاملة تواجه شبكة متكاملة* }.

فالمقاتلة والسفينة والدبابة والمسيرة والقمر الصناعي والرادار ومركز القيادة تتحول جميعها إلى مراكز داخل شبكة تجمع المعلومات وتشاركها وتبني عليها القرار. ومن يستطيع المحافظة على هذه الشبكة وتسريع تدفق المعلومة داخلها وتعطيل شبكة الخصم يمتلك أفضلية قد تكون أهم من إمتلاك منصة منفردة متفوقة.

كما جعل المدى المتزايد للمسيرات مفهوم العمق الآمن أكثر هشاشة. وأصبحت مراكز القيادة والمطارات ومستودعات الذخائر ومصافي النفط ومرافق الطاقة والمنشآت الصناعية وخطوط الإمداد البعيدة عن الجبهة ضمن حسابات التهديد. وقد أظهرت عمليات عام 2026 قدرة بعض المسيرات على الوصول إلى أهداف تقع على مسافات تتجاوز ألف كيلومتر وهو ما يعيد تعريف الحدود التقليدية بين الجبهة والعمق.

*وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الشرق الأوسط حيث أصبحت المسيرات جزءا من بيئة التهديد التي تواجه المنشآت الحيوية والمطارات والموانئ ومرافق الطاقة والممرات البحرية. وفي هذا السياق تواكب المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تطور هذه التهديدات وتتابعه بصورة مستمرة مع تطوير وتعزيز الإجراءات الفنية والدفاعية القائمة لمكافحة المسيرات بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتغيرة. وقد أصبحت هذه القدرات جزءا متزايد الأهمية من منظومة الدفاع عن المجال الجوي والموانئ ومرافق الطاقة والمنشآت الحيوية ومراكز القيادة والاتصالات والممرات البحرية وليست مجرد مهمة ميدانية منفصلة.*

ويأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف مستوى جديدا إلى هذا التحول. فزيادة قدرة المنصة على تحليل البيئة والتعرف على الأهداف والتنسيق مع منصات أخرى يمكن أن تقلص الزمن بين الاكتشاف والقرار. ومع تطور العمل الجماعي تتجه الحرب من تشغيل المسيرة الواحدة إلى إدارة شبكات مترابطة من المنصات الجوية والبرية والبحرية بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.

ويفرض هذا التحول التقني المتسارع تحديا قانونيا وإنسانيا موازيا. فالتقارير الواردة من مناطق الصراع تظهر قدرة المسيرات الصغيرة على مراقبة الأفراد والمركبات ومطاردتها لمسافات متزايدة. وتبقى قواعد القانون الدولي الإنساني والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين وحماية الأطقم والمنشآت ووسائل النقل الطبية حاكمة لاستخدام هذه الأسلحة. كما أن الدقة التقنية لا تمنح الضربة مشروعية تلقائية فالقدرة على مشاهدة الهدف والتعرف عليه تزيد مسؤولية التمييز والتحقق قبل استخدام القوة.

وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن المسيرات ستعمل إلى جانب المقاتلات والسفن والدبابات والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي ضمن بيئة عمليات أكثر ترابطا. وستتوزع عناصر التفوق بين القدرة على الرؤية وسرعة القرار والابتكار والإنتاج وتعويض الخسائر وتأمين سلاسل الإمداد وحماية الشبكات وتعطيل شبكات الخصم.

{ *السلاح الصغير قد يصنع تأثيرا استراتيجيا كبيرا* }.

فالمسيرة التي يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة وتطويرها بسرعة وربطها بالمعلومات والذكاء الاصطناعي تستطيع أن تفرض على خصم أكبر منها حجما وكلفة تغييرات جوهرية في الحركة والانتشار والدفاع والإنفاق.

*ومن هنا قد يصبح السؤال الذي يحدد ميزان القوة في حروب المستقبل:*

{ *من يرى أولا… ومن يقرر أسرع… ومن يبتكر أسرع… ومن ينتج أكثر… ومن يحمي شبكته… ومن يصل إلى الهدف قبل الآخر؟* } .

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.