المعركة الآن على عقولنا

المعركة الآن على عقولنا
محمد الفريدي
لم تعد معاركنا في عصرنا هذا تقاس بعدد الدبابات التي تعبر الحدود، ولا بحجم جيوشنا التي تتحرك على الأرض، ولا بعدد طائراتنا التي تحلق في السماء.
فقد تغيرت أدوات الصراع، وتبدلت ملامح المواجهة، وأصبح عقل المواطن واحدا من أهم ميادين المعارك.
دولتنا تحمي حدودنا بأقوى المنظومات العسكرية، وتبني اقتصادا قويا، وتطلق مشاريع تنموية ضخمة، لكنها تجد نفسها أمام خطر آخر لا يظهر على الخرائط ولا ترصده رادارات المراقبة؛ خطر يتسلل إلى عقولنا، ويعمل على إضعاف ثقتنا بوطننا ومؤسساتنا ومستقبلنا.
وهنا تبدأ أخطر مراحلنا، فالذي يريد إضعاف وطننا لا يحتاج إلى مهاجمته من الخارج، يكفيه أن يجعل أبناءنا ينظرون إليه بعين الشك والريبة، وأن يقنعهم بأن حمايته والنهوض به مستحيلان.
حتى يتحول اليأس إلى قناعة، والشك إلى موقف، وفقدان الثقة إلى سلوك يضعف تماسك مجتمعنا ويضعف قدرتنا على مواجهة التحديات.
وأن فسادنا متأصل ومتجذر ولا يمكن التخلص منه، وأن الإنجازات التي نراها دعايات وأفلام هندية وضرب من الخيال، وأن مستقبلنا مظلم، فتتسلل إلى نفوسنا مشاعر الإحباط واليأس، وتتراجع ثقتنا بوطننا وقدرتنا على صناعة مستقبله.
عندما تصل هذه الأفكار إلى عقولنا وعقول أبنائنا، تصبح المعركة أكثر تعقيدا وأشد شراسة من أي مواجهة عسكرية على الإطلاق، لأن خصمنا لم يعد يقف أمامنا، وإنما أصبح يسكن داخل أفكارنا ومخاوفنا وأسئلتنا.
وهنا يمكن أن نفهم معنى احتلال العقول، ونحن اليوم نعيش مرحلة تاريخية مختلفة، نشهد فيها تحولات واسعة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والإدارة والثقافة، ونعمل على بناء نموذج أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة.
وهذه التحولات الكبيرة لا تخلو من التحديات، ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى مسيرتنا باعتبارها بلا أخطاء ولا عقبات ولا ثغرات، فكل مشروع وطني كبير يحتاج إلى تقييم مستمر، وتصحيح للسلبيات، ومحاسبة للمقصرين، وتطوير للأدوات.
وهنا تظهر أهمية الحس الوطني الحقيقي، الذي لا يعني بالتأكيد أن نصفق لكل شيء، ولا أن نغلق أعيننا أمام الخلل، ولا أن نتعامل مع مؤسسات دولتنا باعتبارها فوق النقد والمساءلة.
الحس الوطني يعني أن نفرق بين النقد الذي يريد التصحيح، والنقد الذي يريد الهدم؛ بين كشف الخطأ لمعالجته، واستغلال الخطأ لتشويه صورة الوطن برمته؛ بين المطالبة بالمحاسبة، وتحويل كل قضية إلى ذريعة لنشر الإحباط واليأس.
وهذا الفرق بالغ الأهمية، فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من الأخطاء، وإنما المجتمع الذي يمتلك القدرة على اكتشاف أخطائه ومعالجتها، دون أن يفقد إيمانه بقدرته على النهوض، أو يسمح للأخطاء بأن تتحول إلى وسيلة لتشويه صورة وطنه وزعزعة ثقته بمستقبله.
ومن هنا تأتي خطورة الفساد، فالفساد ليس مجرد اعتداء على المال العام فحسب، ولا مجرد مخالفة إدارية يمكن حصر آثارها في ملف أو قضية، وإنما يضرب علاقتنا بمؤسسات دولتنا، ويخلق شعورا بالظلم.
ويزعزع ثقتنا في تكافؤ الفرص، ويمنح أصحاب المصالح فرصة لتقديم أنفسهم باعتبارهم فوق النظام، ويزرع فينا شعورا بعدم العدالة، ويفتح المجال أمام خطاب معاد يستغل هذه التجاوزات لضرب ثقتنا بمؤسساتنا الحكومية وتشويه صورة الوطن.
ولهذا فإن مكافحة الفساد بكل أشكاله ليست قضية مالية أو جنائية فقط، وإنما قضية تتعلق بالأمن الوطني والثقة بدولتنا ومستقبلها.
عندما نرى أن المال العام مصان، وأن المسؤول يخضع للمحاسبة، وأن الأنظمة تطبق على الجميع، وأن الوظيفة مسؤولية وليست امتيازا شخصيا لأحد، تتعزز ثقتنا في مؤسسات وطننا، وعندما نرى العكس، تبدأ ثقتنا فيها بالتراجع.
ومن هنا يجب أن تكون مكافحة الفساد مستمرة وحازمة، لا تتوقف عند قضية محددة أو مرحلة معينة، ولا ترتبط بشخص أو ظرف.
فالنزاهة تحتاج إلى أنظمة واضحة، ورقابة دائمة، وعين يقظة لا تنام، وقضاء عادل، وشفافية تامة، وقيادات تؤمن بأن المناصب تكليف لخدمة الوطن فقط، لا لخدمة الأشخاص.
ويجب أن ندرك أن أهمية هذه المعركة تكمن في أن تكون جزءا أساسيا من مسارنا الوطني، وكل خطوة في هذا الاتجاه لا تحمي المال العام فقط، وإنما تحمي أيضا ثقتنا بدولتنا ومؤسساتها.
غير أن المعركة لا تتوقف عند مؤسسات دولتنا، فهناك معركة أخرى تجري يوميا في الفضاء الرقمي تستهدف عقولنا وتؤثر في وعينا وتحاول تشكيل نظرتنا إلى وطننا ومؤسساتنا ومستقبلنا.
منصة إلكترونية واحدة قادرة على نقل معلومة صحيحة إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، وقادرة أيضا على نشر شائعة أو مقطع مجتزأ أو قصة مفبركة بالسرعة نفسها.
ولهذا أصبحنا أمام سيل هائل من المعلومات، بعضها صادق، وبعضها ناقص، وبعضها مصمم بعناية للتأثير في مشاعرنا ومواقفنا، وهنا لا يكفي أن نكون متعلمين فقط.
المطلوب أن نكون واعين إعلاميا، قادرين على السؤال والتحقق والمقارنة، وألا نمنح ثقتنا لكل ما يظهر أمامنا على شاشات هواتفنا.
فالمعلومة الكاذبة لا تحتاج إلى جيش حتى تنتشر، وإنما تحتاج إلى آلاف الأشخاص الذين يعيدون نشرها دون تحقق.
وأخطر الأدوات في صناعة اليأس هي التي تقدم صورة مشوهة عن واقعنا، من خلال جمع الأخطاء وتضخيمها، وتجاهل كل ما عداها، حتى نصبح أمام صورة واحدة تقول لنا: لا شيء يتغير، ولا شيء يصلح، ولا مستقبل يستحق الانتظار.
ومن الخطأ أن نواجهها بمنع النقد أو إسكات الأصوات المختلفة، والحل الحقيقي من وجهة نظري هو بناء وعي قادر على تقبل النقد وفهمه دون أن يتحول إلى كراهية للوطن، والسعي إلى التصحيح دون أن يتحول النقد إلى وسيلة لهدم الثقة.
وطننا اليوم يحتاج إلى مواطن يعرف قيمة وطنه، ويعرف في الوقت نفسه أن حب الوطن لا يعني التغاضي عن الأخطاء.
المواطن الواعي يستطيع أن يقول: هنا يوجد خلل ويجب إصلاحه، ويستطيع في الوقت نفسه أن يقول: هذا الوطن يستحق أن ندافع عن منجزاته، وأن نحمي مستقبله، وأن نشارك في تطويره، لا أن نساهم مع أعدائه في صناعة اليأس والإحباط.
هذه المعادلة هي جوهر المواطنة الناضجة؛ فالولاء الحقيقي لا يقوم على المبالغة في المدح، كما أن النقد المسؤول لا يقوم على جلد الوطن، وكلاهما يحتاج إلى عقل يعرف أن الوطن يبنى بالعمل، ويصلح بالمحاسبة، ويتقدم بالثقة والإنجاز.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا أن يتحول اختلافنا إلى خصومة مع الوطن، وأن تتحول كتاباتنا إلى حالة دائمة من التشكيك.
وأن نصبح مقتنعين بأن كل مشروع وطني فاشل قبل أن يبدأ، وأن كل مسؤول فاسد قبل أن يعمل، وأن كل إنجاز مجرد دعاية مدروسة بعناية من أجهزة أمنية وصورة إعلامية مصطنعة.
عندها تصبح الهزيمة داخلية قبل أن تكون خارجية، وهنا ندرك أن حماية وطننا لا تكون فقط بحماية حدوده ومقدراته، وإنما بحماية وعي أبنائه أيضا.
حماية الوعي تعني تعليم الأجيال كيف تفكر، لا ماذا تفكر، وتعزيز قدرتهم على التحقق من المعلومات، وفهم التحولات، ومناقشة القضايا الشائكة بعقلانية، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد والشائعة، وبين الاختلاف مع الموقف والعداء للوطن.
كما تعني بناء بيئة نشعر فيها أن أصواتنا مسموعة، وأن أنظمتنا تحمي حقوقنا، وأن أبواب التجديد والتطوير مفتوحة أمامنا، وأن الكفاءة هي الطريق الطبيعي لنيل الفرص، وأن العدالة هي الأساس الذي يحفظ ثقتنا بمؤسسات وطننا.
وشبابنا تحديدا يمثلون أحد أهم عناصر قوتنا في هذه المرحلة، وهم لا يحتاجون إلى خطاب يزرع فيهم الخوف من المستقبل ومن وطنهم، وإنما يحتاجون إلى تعليم وتأهيل وفرص حقيقية ومساحات أوسع للإبداع والعمل والمنافسة.
وقد أثبتنا معا خلال السنوات الماضية قدرتنا على الدخول في مجالات كانت تبدو بعيدة عنا، وحققنا حضورا في قطاعات التقنية والاقتصاد والإدارة والثقافة والرياضة والصناعة وغيرها.
وكل نجاح حققناه هو رسالة بأن بناء المواطن هو الاستثمار الأكثر تأثيرا في مستقبل الوطن، وأن تمكينه بالعلم والمهارة والثقة يفتح أمامه أبوابا أوسع للمشاركة في بناء وطنه وصناعة مستقبله، والحفاظ عليه والموت دونه إذا لزم الأمر.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين وطن ومواطنيه، وإنما بين مشروع يبني الثقة، ومشروع يسعى إلى هدمها، ونحن مسؤولون عن اختيار الطريق الذي يحفظ وطننا، ويعزز وحدتنا، ويصون ثقتنا بمستقبلنا.
ومن يريد أن نكون أقوياء، عليه أن يقف معنا في مواجهة الفساد، ويدعم الكفاءات، ويحترم النقد المسؤول، ويرفض في الوقت نفسه كل خطاب يحول أخطاءنا إلى حكم نهائي على الوطن.
فنحن لا نحتاج إلى مواطن يردد الكلمات دون وعي، وإنما نحتاج إلى مواطن يعرف قيمة ما تحقق من إنجازات، ويرى ما يحتاج إلى تصحيح، ويشارك في البناء.
ويحافظ على مكتسبات وطنه، ويدرك أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة تتطلب الوعي والعمل والحرص على مستقبله.
وأخطر ما يمكن أن يخسره الوطن ليس المليارات من الميزانيات، ولا المشاريع التي تتعثر، ولا القرارات التي تحتاج إلى إعادة نظر.
الأخطر أن يخسر المواطن ثقته في قدرة وطنه على النهوض، وأخطر من سرقة المال العام سرقة الأمل، وأخطر من تعطيل المشاريع التنموية تعطيل عقول مواطنين تؤمن بأن المستقبل ممكن.
لهذا فإن حمايتنا في عصر التحريف والتضليل تبدأ من حماية وعينا؛ لأن الوطن القوي لا تحميه الحدود وحدها، وإنما تحميه عقول تعرف الحقيقة، وقلوب تؤمن بالوطن، وأيد تعمل من أجل مستقبله، وحين يبقى وعينا حرا، يبقى الوطن قويا، فوعينا خط الدفاع الأول.
وفي هذه المعركة، لا يمكن فصل قوة دولتنا عن قوة وعي مجتمعنا، فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصادا متماسكا، وقدرات دفاعية متقدمة، تحتاج كذلك إلى مجتمع يمتلك مناعة فكرية تمنعه من الوقوع في فخ التضليل والتشكيك المتعمد.
وليس المقصود بالمناعة الفكرية أن يصبح الإنسان محصنا ضد النقد أو الاختلاف، وإنما أن يمتلك القدرة على التفكير قبل الحكم، والتحقق قبل التصديق، وفهم الصورة كاملة قبل اتخاذ القرار.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على المثقفين والإعلاميين والكتاب، فالقلم الذي يمتلك القدرة على التأثير لا ينبغي له أن يتحول إلى أداة لتوسيع دائرة الإحباط أو وسيلة لتجميل الأخطاء.
وإنما مهمته الأصعب أن يقول الحقيقة بوعي ومسؤولية، وأن يضع المعطيات في إطارها الصحيح، ويفتح أمام القارئ مساحة للتفكير.
الإعلام الحقيقي لا يعني إعلام المديح، كما أن الإعلام المستقل لا يعني البحث الدائم عن السلبيات.
والإعلام المسؤول يقوم على معادلة عميقة، وهي أن ننقل الحقيقة كما هي، ونكشف الخلل، وندعم التصحيح، ونحافظ في الوقت نفسه على وعي مجتمعنا ومكانة وطننا ومصالحه العليا.
علينا أن نعلم أبناءنا أن السؤال ليس ضعفا، وأن التحقق ليس تشكيكا، وأن الاختلاف ليس خيانة، وأن النقد المسؤول هو أحد أشكال الانتماء، فالكاتب الذي يكتب عن الخلل لأنه يريد إصلاحه يختلف تماما عن شخص يستخدم الخلل وسيلة لإسقاط كل شيء.
ومن هنا تأتي أهمية العدالة، لأن الوطن الذي يحمي حق مواطنيه في السؤال والنقد والتصحيح، هو وطن يحمي ثقته بنفسه أولا، ويحمي مستقبله ثانيا، ويمنح أبناءه شعورا راسخا بأن صوتهم مسموع، وأن مشاركتهم في بناء وطنهم حق من حقوقهم، وأن الاختلاف الواعي والنقد المسؤول طريق لترسيخ الانتماء.




الأستاذ محمد الفريدي،
مقال عميق وعاصف، لأنه يضع اليد على واحدة من أخطر معارك هذا العصر: المعركة على العقل قبل الأرض، وعلى الثقة قبل الحدود.
وأعتقد أن أخطر ما في حروب الوعي أنها لا تأتي إلينا دائماً في صورة عدو واضح، بل قد تدخل من نافذة سؤال مشروع، أو خبر ناقص، أو حقيقة مبتورة، ثم يُعاد ترتيبها حتى تتحول من معلومة إلى انطباع، ومن انطباع إلى قناعة، ومن قناعة إلى موقف تجاه الوطن كله.
لكنني أرى أن هناك مستوى أعمق في هذه القضية:
حماية الوعي لا تعني حماية المواطن من الحقيقة، بل حمايته بالحقيقة.
فالمجتمع لا يكتسب مناعته الفكرية بكثرة ما يسمعه من خطاب مطمئن، وإنما بقدرته على رؤية الواقع كما هو: إنجازاته وإخفاقاته، قوته ونقاط ضعفه، ثم امتلاكه الثقة بأن الخلل قابل للإصلاح، وأن النقد أداة بناء، وأن الدولة القوية لا تخشى السؤال، بل تستفيد منه.
وهنا يصبح الفساد أخطر من مجرد سرقة للمال العام؛ لأنه قد يسرق شيئاً أثمن: الثقة.
وتصبح الإشاعة أخطر من مجرد كذبة؛ لأنها قد تسرق شيئاً أبعد: اليقين.
ويصبح نشر اليأس أخطر من مجرد رأي متشائم؛ لأنه قد يسرق من الإنسان أهم ما يحتاجه لبناء المستقبل: الإيمان بأن التغيير ممكن.
وقد لامستَ جوهر المسألة حين فرّقت بين النقد الذي يريد إصلاح الوطن، والخطاب الذي يتخذ من أخطاء الوطن مادة لهدمه.
فليس وطنياً من يصفق لكل شيء، وليس معارضاً بالضرورة من ينتقد كل خطأ.
الوطنية الأعمق هي أن تمتلك الشجاعة لتقول للمحسن: أحسنت، وللمخطئ: أخطأت، وللفاسد: ستحاسب، وللمشكك: لن نجعل أخطاءنا جسراً لهدم وطننا.
وهنا تحديداً تبدأ المواطنة الواعية.
إن الحروب الحديثة لم تعد تستهدف ما نملك فقط، بل تستهدف كيف نفكر فيما نملك، وكيف نرى أنفسنا، وكيف نتخيل مستقبلنا.
ولهذا قد تمتلك الدولة أقوى منظومات الدفاع، لكنها تحتاج إلى منظومة دفاع أخرى لا تقل أهمية:
إنسان قادر على التفكير، والتمييز، والتحقق، ورفض التلاعب بعواطفه.
وأجمل ما يمكن أن نعلمه لأبنائنا ليس ماذا يصدقون، بل كيف يصلون إلى الحقيقة بأنفسهم.
أن يسألوا دون خوف، وينتقدوا دون هدم، ويختلفوا دون خصومة، ويحبوا وطنهم دون أن يعطلوا عقولهم.
لأن الولاء الذي يحتاج إلى إلغاء العقل ولاء هش، أما الولاء الذي يمر عبر الوعي والمعرفة والعدالة والثقة فهو الذي يصمد أمام العواصف.
وأضيف إلى عبارتك الجميلة:
إذا كان الوعي خط الدفاع الأول، فإن العدالة هي الذخيرة التي تحمي هذا الخط، والحقيقة هي السلاح الذي يمنعه من السقوط.
فلا يمكن أن نطلب من المواطن أن يحارب الشائعة، ثم نحجب عنه المعلومة؛ ولا أن نحذره من التشكيك، ثم نترك الخطأ بلا محاسبة؛ ولا أن نطالبه بالثقة، دون أن نصنع البيئة التي تستحق هذه الثقة.
لهذا فإن المعركة على عقولنا لا تُربح بالشعارات، وإنما بالعدالة، والشفافية، والتعليم، والمحاسبة، والإعلام المسؤول، والإنجاز الذي يراه الإنسان في حياته قبل أن يسمع عنه في الخطاب.
حينها يصبح المواطن نفسه أقوى جدار في وجه التضليل؛ لأنه لا يدافع عن صورة مصطنعة لوطنه، بل عن وطن يعرفه، ويرى منجزاته، ويشارك في إصلاح أخطائه، ويؤمن بمستقبله.
الأوطان لا تخشى العقول التي تسأل؛
الأوطان القوية تصنع عقولاً تعرف كيف تسأل، وكيف تميّز، وكيف تبني.
مقال يستحق القراءة أكثر من مرة، لأنه لا يناقش قضية إعلامية عابرة، بل يناقش سؤالاً سيحدد قوة الدول في السنوات القادمة:
من يملك وعي الإنسان… يملك جزءاً كبيراً من قراره ومستقبله.
كل التقدير للأستاذ محمد الفريدي على هذا الطرح العميق.
مهندس صالح المرزم
أخي العزيز سعادة المهندس صالح المرزم.
أسعدني كثيرا هذا التعليق القيّم، وما فيه من عمق أضفته إلى فكرة المقال، وقراءتك جاءت مكملة له، وفتحت لي زوايا مهمة حول العلاقة بين الوعي والحقيقة والعدالة والثقة.
وأتفق معك سيدي أن حماية الوعي لا تكون بحماية المواطن من الحقيقة، وإنما بحمايته بالحقيقة، وأن العدالة والشفافية والمحاسبة والتعليم والإعلام المسؤول هي من أهم ركائز بناء الوعي وتعزيز الثقة.
أفتخر بهذه القراءة الواعية من كاتب وأديب مثلك، وبما تفضلت به من أفكار وإضافات قيمة، وأشكرك على وقتك وسعة صدرك واهتمامك، وعلى كلماتك الكريمة. وتقبل فائق تحياتي واحترامي.
أخوك
أبو سلطان