كُتاب الرأي

(نحن شعب صارع الله وغلبه)

(نحن شعب صارع الله وغلبه)

محمد الفريدي

كتب إسحاق ليفانون، السفير الإسرائيلي السابق لدى مصر، في مقاله بصحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية، متطاولا على الذات الإلهية بعبارة تقطر كبرا وكفرا واستعلاء، لم يجرؤ على التفوه بمثلها أشد الجبابرة عبر التاريخ.

جملة اختصرت لنا المرض الإسرائيلي المستعصي، وغروره المقدس الذي يحاول أن يلبس عبوديته لله ثوب الندية، وأن يجعل من خالقه خصما له في معركة بشرية خاسرة.

فمن أين جاء هذا الصهيوني بهذه الجملة المليئة بالتحدي للسماء؟ الجواب بكل بساطة: من عقيدة الاستعلاء المطبوعة في قلبه منذ نشأته الأولى؛ فالفكر التوراتي، في نصوصه المحرفة، رسخ هذا الاعتقاد في أذهان أتباعه.

أن (الرب إله إسرائيل منحهم مكانة خاصة تفوق سائر الشعوب)، ولكنه وغيره من دعاة الصهيونية المتطرفة لم يكتفوا بادعاء الاصطفاء.

فانتقل إلى مستوى أعلى من الوقاحة حين قال: (نحن الشعب الذي صارع الله وغلبه)، وهذه ليست مجرد استعارة، وإنما تصريح صريح بالخروج على حدود الإيمان، وادعاء السيادة على الخالق ذاته.

في جميع الأديان، الله هو الحق الأعلى الذي يخضع له الكون، والإنسان عبد له مهما بلغ علمه وسلطانه، لكن ليفانون ومن على شاكلته لا يؤمنون بعبودية الله، وإنما بإله صغير يخضعونه لروايتهم العنصرية وأهوائهم، فهم لا يعبدون الله، وإنما يعبدون تصورهم المنحرف عنه.

لا يجوز أن نعامل مقولة ليفانون على أنها زلة لسان أو رأي متطرف لشخص منفلت اللسان والقيم، وإنما حلقة من سلسلة طويلة من الازدراء الممنهج للسماء في الخطاب الصهيوني.

فمنذ تأسيس الكيان تكرست سياسة تحويل الله إلى (رمز قومي)، والتعامل مع الوحي كوثيقة ملكية تثبت سيادتهم على الأرض، وجعلوا (الرب) جزءا من آلة الحرب التي يترأسها وزراء الدفاع، يقاتل معهم، ويبارك احتلالهم، ويمنحهم الشرعية لاستيطانهم، ثم في النهاية يتحدث بعضهم، كليفانون، عن (مصارعته والانتصار عليه)!

أي تناقض أبلغ من هذا التناقض؟ وأي خراب روحي أشد من هذه العقيدة التي تسقط الألوهية إلى مستوى أهواء البشر؟ إن هذا المقال الذي كتبه السفير الإسرائيلي يفضح جوهر مشروعهم الصهيوني، الذي لا يقوم على فكرة الدين الموحى به، وإنما على فكرة الإنسان الذي يصنع إلهه بما يخدم مصالحه الوطنية.

تاريخهم كله صدام مع الأنبياء والكتب والوحي والحق، ثم صدام مع الله ذاته، وهو ما يوضح طبيعة مشروعهم الصهيوني القائم على تحريف الدين لخدمة مصالحهم السياسية.

هم يكتبون التاريخ وكأنهم القضاة على السماء، يحاكمون رب العالمين في نصوصهم، ويمنحون أنفسهم صك (الحق الإلهي) في الحكم على الآخرين.

ولهذا، عندما كتب ليفانون ما كتب، فإنه لم يخرج عن هذا السياق، وإنما نطق بما يعتقده جيله، الذي يرى أنه متفوق على جميع الأمم؛ لأن نبي الله يعقوب، كما يزعمون، صارع الله وغلبه.

ولفهم هذا الهوس بـ(مصارعة الله)، لا بد من قراءة الخلفية التوراتية التي يستند إليها هذا القول، ففي النص العبري المحرف وردت قصة تقول إن يعقوب (صارع الرب حتى طلوع الفجر وغلبه)، وقد اعتبرت التفاسير الدينية المعتدلة ذلك رمزا لصراع روحي داخلي، لا مواجهة مادية مع الله تعالى.

ولكن الفكر الصهيوني حوّل هذا الرمز إلى أداة سياسية ودعوى قومية عنصرية، وجعل (مصارعة الله) جزءا من هوية (الشعب المختار).

ليفانون لم يخطئ في التفسير، وإنما اخترع تفسيرا يخدم مزاعمه، وهي أن الله نفسه انحنى أمام (عظمة إسرائيل)، وهذا الخطاب ليس دينا، وإنما وثنية فكرية كرست عبادة الذات القومية تحت مسمى الإيمان بالتوراة والتلمود وإسرائيل.

إنه السقوط الكامل في فخ الغرور الذي قتل إبليس نفسه يوم قال: (أنا خير منه)، وهؤلاء اليوم يقولون: (نحن خير من الخلق والخالق معا)، ساء ما يقولون.

ما كتبه ليفانون ليس نوعا من الفلسفة، وإنما أداة تبرير سياسي، فهم حين يختلقون فكرة أن (الشعب غلب الله)، يبررون لأنفسهم غصب الأراضي، وسفك الدماء، والتنكيل بالآخرين باسم (التفوق المقدس)، ويحولون الأسطورة إلى سلاح لحرب مقدسة وغطرسة دولية لا تنتهي.

فمن يرى نفسه منتصرا على الله لن يجد غضاضة في قتل البشر وسرقة أوطانهم، ومن يعتقد أن السماء خضعت له لن يعبأ بأي قانون أرضي أو قيم أو مبادئ إنسانية.

وهذا ما يفسر السلوك الإسرائيلي في كل صراعاته: تحد صريح لكل القيم، ومجازر ترتكب بمباركة مؤسساتهم الدينية والسياسية على حد سواء؛ لأن الفوقية في العقل الصهيوني الراهن ليست انحرافا، وإنما هوية.

ليفانون لم يصارع الله، وإنما صارع ضميره وخسر، فما الذي انتصر فيه؟ لقد أعلن هزيمته الأخلاقية والفكرية أمام أبسط مفاهيم التوحيد.

لقد حوّل الصهاينة الدين من علاقة بين العبد والخالق إلى عقد ملكية عقارية يبرر استحواذهم على فلسطين، فأصبح (الوعد الإلهي) عندهم أشبه بعقد بيع مسجل في سجل الوثائق العقارية، وأصبح الله، وحاشاه، موظفا في وزارة الخارجية الإسرائيلية يمنح التصاريح للهجرة والاستيطان.

فما الجديد في أن يزعم أحدهم اليوم أنه (صارع الله وغلبه)؟ هذا امتداد طبيعي لذهنية تجعل المقدس وسيلة انتهازية، وتتعامل مع الله كوسيط لتحقيق طموحات بني إسرائيل القومية، ومن هنا نفهم أن كلمات ليفانون ليست شطحة أو زلة لسان، وإنما هي نتاج مدرسة فكرية منغلقة على نفسها، ترى في الله وسيلة لا غاية، وفي الدين درعا لا ضميرا.

أما نحن، المؤمنون بالله رب العالمين وحده، لا رب الصهاينة الذي يزعمون أنهم يتصارعون معه ويغلبونه، فنقول إن الإنسان، مهما بلغ، يظل ظلا زائلا أمام القدرة الإلهية، ومن يتوهم أنه ند لله فقد خرج من دائرة الإيمان إلى هاوية الكفر.

مقال مثل مقال ليفانون ليس اجتهادا فكريا، وإنما جريمة فكرية وأخلاقية بحق المعتقد الإنساني كله؛ لأن التطاول على الله ليس إساءة للمسلمين وحدهم، وإنما طعنة في جوهر الإنسانية التي بنيت على توحيد الله وتنزيهه عن مثل هذه المزاعم.

ومن يزعم أنه غلب الله لا يعرف معنى الهدى، وإنما يعيش في ظلام الجهل الذي يسميه (تفوقا قوميا)، وهو يعيش في قمة الضلال.

المفارقة أن كل هذه الفوقية الدينية لم تمنحهم أمنا ولا طمأنينة، فالشعب الذي يدعي الانتصار على الله يهزم نفسه كل يوم بفعل جبروته، وكلما ازداد غروره ازدادت عزلته، وكلما تمسك بالوهم التوراتي اقترب أكثر من احتراقه الأخلاقي.

الاحتلال الذي يقتات على فكرة (التفوق المقدس) لا يمكن أن يعيش؛ لأنه يبني بقاءه على إنكار جوهر الإيمان: الرحمة والعدل والتواضع.

ليفانون يمثل فكرا يشيخ قبل أن يولد، فالأمم التي تسجد لذاتها تكتب على نفسها الزوال، تماما كما ذهبت كل الإمبراطوريات التي عبدت ملوكها وأوثانها.

إنهم يعيشون على خرافة الانتصار الإلهي، بينما العالم يرى بأم عينه أن غطرستهم السياسية والأخلاقية تتهاوى تحت أقدام الحقائق، فالاحتلال لا يعطي شرعية، والاستعلاء لا يمنح أمنا.

هل نسي ليفانون أن تاريخه الديني كله سلسلة من التمرد والعصيان؟ من موسى إلى داود إلى المسيح، لم يعرف التاريخ أمة تمردت على رسلها كما فعلت بنو إسرائيل؛ قتلتم الأنبياء، وكذبتم الوحي، وحرفتم الكتب، والآن تريدون أن تضيفوا إلى سجلكم (الانتصار على الله)! أي جنون هذا؟ كأنكم لا تشبعون من التمرد، حتى قررتم أن تجعلوا الله آخر خصومكم الذي تتمردون عليه.

لكن الله، سبحانه، لا يُصارع ولا يُغلب، هو غني عنكم، ولهذا ترككم غارقين في إفلاس روحي لا خلاص منه. وفشلكم في تقبل فكرة العبودية لله هو أصل ضلالكم، وهو السبب الجوهري وراء كل جريمة ترتكبونها باسم إلهكم المغلوب على أرض فلسطين.

(نحن الشعب الذي صارع الله وغلبه) — جملة لا تصف بطولة، وإنما تعلن إفلاس أمة خرجت من نطاق الروح إلى ظلمة الكبر والعجب والغطرسة.

هي ليست مفخرة، وإنما وصمة عار في وجه الفكر البشري المعاصر، فما معنى أن (تصارع الله)؟ معناه أنك رفضت النور وفضلت الظلام، وأنك خالفت فطرتك وطلبت النور من غير مصدره.

ومن ظن نفسه أكبر من خالقه فقد وقع في أخطر أنواع الهزيمة: الهزيمة أمام الحقيقة الأبدية.

يا إسحاق ليفانون، إن الذي تفخر بأنك (غلبته) قد تركك لحظة لتقول ما قلت، وتكشف كم أنت مهزوم في داخلك.

الذي يغامر بالقداسة ليبرز تفوق قوميته لا يملك إلا أن يعيش في خواء روحي؛ لأن الأمم التي تجعل من الله خصما تعجل بزوالها.

سيأتي يوم تفهم فيه إسرائيل، ولو بعد جيل، أن الله لا يُصارَع، وأن القوة لا تُقاس بالغرور، وأن الأرض لا تُملك بالحكايات والأساطير، وإنما بالعدالة والتمسك بالدين، وفي ذلك اليوم ستدرك أنها لم تغلب الله يوما، وإنما غلبها ضلالها وسقوطها الأخلاقي.

وستُجبر على مواجهة الحقيقة التي حاولت إنكارها طوال تاريخها: أن التكبر والغطرسة لا يحققان نصرا، وأن بقاء الأمم مرتبط بالعدل والتقوى ورد الحقوق إلى أصحابها.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.