لماذا نُجوّع منابرنا؟

لماذا نُجوّع منابرنا؟
محمد الفريدي
لم يعد دعم صحفنا الإلكترونية مطلبًا يخص العاملين فيها وحدهم، وإنما أصبح قضية وطنية تمس مستقبل صحافتنا وقدرتها على خدمة مجتمعنا ودولتنا؛ فلا يمكن أن نطالب صحفنا بالقوة والمنافسة والاستمرار، ثم نتركها تواجه تكاليفها وتحدياتها وحدها، ونحرمها من الأدوات والفرص التي تحتاجها للبقاء والتطور.
لا يكفي أن نُقيم المنتديات والمؤتمرات، ونرفع الشعارات عن مستقبل إعلامنا، ونتحدث عن الابتكار والاقتصاد الإبداعي، ثم نترك صحفنا الإلكترونية تواجه مصيرها وحدها؛ فالكلام عن صحافة قوية لا يصنع صحافة قوية.
والمؤتمرات مهما كانت ضخمة لن تدفع رواتب المحررين والمراسلين، ولن تموّل التحقيقات الصحفية، ولن توفر لمؤسساتنا الصحفية الإمكانات التقنية والتحريرية التي تحميها من التعثر أو الاختفاء؛ فالصحافة لا تعيش بالتصفيق، وإنما بالموارد والعمل والفرص العادلة.
نحن لا ندير حسابات شخصية نكتب فيها ما يحلو لنا، وإنما صحفًا إلكترونية مرخصة تتحمل مسؤوليات مهنية ونظامية، وتتابع الأحداث، وتنقل صوت المجتمع، وتفتح صفحاتها للكُتّاب والمواهب الشابة.
ومع ذلك، يُطلب منا تطويرها، وتدريب كوادرها، والمحافظة على جودتها، وإنتاج محتوى مهني، واستقطاب صحفيين محترفين، وحمايتها إلكترونيًا، ومواجهة الأخبار الكاذبة والمعلومات الْمُضَلِّلَة، بينما نُترك بلا دعم حقيقي، ولا سوق إعلانية عادلة، ولا مصادر دخل مستدامة.
هذه معادلة ظالمة؛ فمن يريد صحافة قوية، فعليه أن يوفر لها بيئة مهنية تساعدها على أداء رسالتها، أما أن نُترك نَخْتَنِقُ ثم نُلام على ضعفنا، فهذا تهرّب واضح من مواجهة أصل المشكلة.
إهمال صحفنا الإلكترونية لا يؤدي إلى إغلاقها فقط، وإنما يُسكت أصواتًا وطنية، ويقضي على فرص وظيفية، ويدفع الكفاءات إلى صحف ومنصات خارجية، ويفتح المجال أمام المحتوى السطحي والخطابات غير المهنية.
وعندما تختفي الصحف الوطنية، لن تبقى الساحة فارغة، وإنما سيملؤها كل من يملك هاتفًا وحسابًا وقدرة على إثارة الرأي العام، حتى لو لم يملك معرفة أو ضميرًا أو إحساسًا بالمسؤولية.
ومن أخطر نتائج هذا الإهمال أن تصبح صحفنا عاجزة عن منافسة الصحف الخارجية. فنحن نتحدث كثيرًا عن أهمية تقديم صورتنا إلى العالم، لكن من سيقدمها إذا كانت صحفنا الوطنية عاجزة عن دفع تكاليف تشغيلها؟
وكيف سننتج المحتوى الجاد إذا كانت الحصة الكبرى من الإعلانات تذهب إلى المنصات العالمية والمؤثرين، بينما لا يصل إلى صحفنا الإلكترونية المرخصة منها شيء يُذكر؟
ليس من المنطق أن تُفرض على صحفنا التزامات مهنية وتنظيمية، ثم تُعامل عند توزيع الفرص كأنها غير موجودة، وليس من العدل أن تستفيد منها الجهات الحكومية والخاصة في نشر أخبارها وتغطية فعالياتها.
وفي المقابل، تتجاهلها عند توزيع الميزانيات الإعلانية وفرص الرعاية والدعم؛ فالصحيفة ليست وسيلة مجانية لنشر الأخبار، ولا لوحة إعلانات تُستخدم عند الحاجة ثم تُعاد إلى الظِّلِّ.
بعض الجهات تتعامل معنا وكأن مجرد دعوتنا أو تزويدنا بخبر جاهز يُعد دعمًا، مع أننا نتحمل تكاليف التحرير والتصوير والتدقيق والنشر والاستضافة والحماية والتطوير، ونضع مصداقيتنا أمام القارئ على المحك، ونخضع للمساءلة المهنية.
وفي الوقت نفسه، تنفق هذه الجهات ميزانيات ضخمة على الإعلان والتسويق، ثم تطلب منا تغطية فعالياتها ونشر أخبارها مجانًا. وهذه ليست شراكة، وإنما استغلال لحاجتنا إلى المحتوى والحضور.
كما أن الاعتماد الكامل على إعلانات السوق لم يعد حلًّا واقعيًا؛ فالجزء الأكبر من سوق الإعلان الرقمي تسيطر عليه شركات التقنية والمنصات الأكثر انتشارًا، ولا يصل إلى كثير من الناشرين المحليين إلا قدر محدود منه.
والنتيجة أن الصحف الجادة تجد نفسها أمام خيارين قاسيين: إما أن تخفض جودة محتواها لتقليل التكاليف، أو تطارد الإثارة والمشاهدات لجذب الإعلانات، وفي الحالتين يخسر الوطن صحافة مهنية قادرة على خدمته بصورة أفضل.
نحن لا نطالب بمنح مالية مفتوحة، ولا بدعم يشتري صمت الصحف أو يحولها إلى أبواق؛ فالدعم الذي يشترط المديح ليس دعمًا، وإنما عقد لتجميل الصورة.
المطلوب نظام واضح وعادل يحفظ استقلال الصحف الإلكترونية، ويربط مساندتها بجودة العمل، والالتزام المهني، وانتظام النشر، وعدد العاملين، وحجم الإنتاج الحصري، وخدمة المجتمع، لا بالعلاقات الشخصية والمجاملات.
وتتمثل أولى الحلول في إنشاء صندوق مستقل لدعم الصحافة الرقمية، تديره جهة مهنية وفق معايير معلنة، ويُمَوَّل من نسبة محددة من ميزانيات الحملات الإعلامية الرسمية.
إضافة إلى مساهمات شركات التقنية والمنصات الإعلانية الكبرى، وبرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات، من دون فرض أعباء جديدة على الصحف الصغيرة والمتوسطة.
ولا ينبغي أن يوزع الصندوق أمواله لمجرد حصول الصحيفة على ترخيص، وإنما يقدم منحًا تنافسية لمشروعات محددة، مثل التحقيقات الصحفية، وتدريب الكفاءات الوطنية، وتطوير التقنيات، وإنتاج المحتوى المتخصص.
وتشمل هذه المشروعات أيضًا التغطيات الميدانية في المدن والمحافظات التي لا تحظى باهتمام المنصات الكبرى، ويكون الدعم محدد المدة، ويخضع لتقييم سنوي معلن؛ حتى لا يتحول إلى إعانة دائمة لصحف عاجزة عن التطور، وإنما وسيلة تساعد الصحف الجادة على تنمية مواردها والوصول إلى الاستدامة المالية.
ومن الحلول أيضًا تخصيص نسبة عادلة من ميزانيات الحملات الإعلانية للجهات الرسمية والمؤسسات الكبرى للصحف الإلكترونية المرخصة، وفق معايير معلنة تقيس جودة المحتوى، وانتظام النشر، والتغطية المحلية، وعدد العاملين، وحجم الإنتاج، وخدمة المجتمع.
فلا يُعقل أن تذهب معظم الميزانيات الإعلانية إلى عدد محدود من الصحف الكبرى، بينما تبقى صحف المناطق والمدن الصغيرة خارج الحسابات، رغم قربها من المواطن ومعرفتها بقضاياه.
المطلوب ليس توزيع الإعلانات بالتساوي دون اعتبار للكفاءة، وإنما تحقيق عدالة الفرص؛ فالصحيفة التي تنتج محتوى أصليًا، وتلتزم بالأنظمة، وتستقطب الصحفيين، وتحفظ حقوق الآخرين، يجب ألا تُعامل مثل صحيفة تنسخ الأخبار وتعيد نشرها.
كما يجب الإفصاح، وفق الأنظمة، عن معايير توزيع الإعلانات الممولة من المال العام والجهات المستفيدة وحجم الإنفاق؛ حتى لا تتحول هذه الأموال إلى باب للمجاملات أو أداة للوصاية على السياسة التحريرية والمساس باستقلال الصحيفة.
ومن المهم تخفيض الرسوم المفروضة على الصحف الإلكترونية، وتوفير خدمات الاستضافة والحماية الرقمية وبرامج التدريب بأسعار مناسبة، ومنح العاملين فيها فرصًا عادلة لحضور المناسبات والمؤتمرات والحصول على المعلومات.
فلا يمكن الحديث عن تطوير الصحافة الرقمية، بينما تظل الفرص محصورة في الأسماء والمؤسسات نفسها، وتُحرم منها صحفنا الإلكترونية والعاملون فيها.
ومن الحلول الضرورية إنشاء بنية رقمية مشتركة تخدم الصحف الإلكترونية المرخصة بصورة اختيارية، وتساعدها على إدارة حملاتها الإعلانية، واستقبال الإعلانات وجدولتها، ومتابعة نتائجها ومستحقاتها، وقياس الوصول الفعلي، وتطوير أنظمة الاشتراك، والحصول على الخدمات التقنية بأسعار أقل.
على أن يبقى قرار قبول الإعلان وتسعيره ونشره بيد كل صحيفة؛ فصحفنا لا تعاني نقصًا في المحتوى، وإنما تعاني تشتت الجهود وضعف الإمكانات التقنية والتسويقية، وهذه البنية ستخفض التكاليف وتزيد قدرتها على المنافسة.
ولا ينبغي أن تبقى الصحف الإلكترونية رهينة لمصدر دخل واحد، لذلك يجب مساعدتها على تطوير الاشتراكات المدفوعة، وإنتاج التقارير والنشرات المتخصصة، وإصدار الملاحق الصحفية، وتقديم خدمات إعلامية مشروعة؛ فتنويع مصادر الدخل ضرورة لحماية استقلال الصحيفة واستمرارها.
وبالتوازي مع ذلك، يجب فتح المجال أمام صحفنا الإلكترونية للدخول في شراكات تحريرية وتقنية واستثمارية، وفق الأنظمة، مع المؤسسات الإعلامية العالمية والإقليمية التي تملك الخبرة والتقنية وشبكات التوزيع.
فلا يجوز أن نحرم صحفنا من الدعم، ونضيّق عليها فرص الاستفادة من تجارب الآخرين، ثم نطالبها بمنافسة مؤسسات ذات ميزانيات ضخمة وخبرات تراكمت عبر عشرات السنين؛ فهذا حكم مسبق على صحفنا بالضعف والفشل.
فتح الباب أمام هذه الشراكات لا يعني تسليم القرار التحريري للخارج؛ فيمكن وضع ضوابط تحمي الملكية الوطنية للمؤسسات الصحفية، وتحفظ البيانات والسيادة التحريرية، وتحدد نسبة المشاركة.
كما يمكن إلزام الشريك بنقل المعرفة، وتدريب الكفاءات الوطنية، وتوفير وظائف محلية، والاستثمار في المحتوى السعودي، ومنع أي تدخل يخالف الأنظمة أو المصالح الوطنية.
ولدينا نموذج قائم في تجربة (الإندبندنت عربية)، التي أُطلقت بموجب اتفاقية ترخيص بين المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام وصحيفة (الإندبندنت) البريطانية، ويمكن الاستفادة من هذا النموذج بصيغ تناسب الصحف الإلكترونية الصغيرة والمتوسطة، حتى لا تبقى الشراكات العالمية حكرًا على المؤسسات الكبرى.
فهذه الشراكات يمكن أن توفر تقنيات حديثة، ونماذج اشتراك ناجحة، وخبرات في التحقيقات الصحفية وصحافة البيانات وإنتاج المحتوى المرئي والبرامج الصوتية، وتفتح المجال للوصول إلى جمهور عالمي وترجمة المحتوى الوطني وإيصاله إلى الخارج بصوت سعودي موثوق، بدلًا من ترك الآخرين يرسمون صورة وطننا وفق رؤاهم ومصالحهم.
ومن الضروري حماية المحتوى الصحفي من السرقة، وإلزام الجهات والمنصات والحسابات التجارية التي تستفيد منه باحترام حقوق منتجيه، والحصول على إذنهم عند إعادة نشره أو استغلاله تجاريًا.
فلا يُعقل أن تنفق الصحيفة وقتها ومالها وجهدها في إنتاج مادة حصرية، ثم تنقلها عشرات الحسابات وتحقق منها مشاهدات وعوائد مالية، بينما لا تحصل الصحيفة التي أنتجتها على شيء.
ولا تكفي النصوص النظامية وحدها لحماية هذه الحقوق، وإنما نحتاج إلى آلية أسرع وأكثر فاعلية لاستقبال شكاوى الاعتداء على المحتوى، وتوثيق أسبقية النشر، وإزالة المواد المنشورة دون إذن، وتعويض أصحاب الحقوق وفق الإجراءات النظامية.
فمن دون تطبيق فعلي لنظام حماية حقوق المؤلف، سيصبح النسخ واللصق أكثر ربحًا من الإبداع الصحفي، ولن يكون هناك استثمار جاد في صحفنا الإلكترونية.
كما يجب التوقف عن قياس نجاح الصحف بعدد الزيارات وحده؛ فبعضها يخدم مدنًا ومناطق وقطاعات محددة، وقد لا يحقق أرقامًا ضخمة، لكنه يؤدي دورًا لا تقوم به الصحف الكبرى.
فالقيمة ليست دائمًا في الأرقام، وإنما في الثقة والتأثير وخدمة المجتمع، ودعم صحفنا المحلية يحمي تنوع الأصوات، ويحد من احتكار المعلومة، ويُقرّب الصحافة الإلكترونية من المواطن.
وفي المقابل، الصحف الإلكترونية نفسها مطالبة بمعالجة أخطائها؛ فلا دعم لصحف تسرق المحتوى، أو تستحوذ على الإعلانات بأساليب غير مهنية، أو تنشر الشائعات، أو تفتح أبوابها للمحتوى الرديء.
فالدعم والشراكة يجب أن يقابلهما التزام بالمهنية والشفافية وحفظ الحقوق والإفصاح عن مصادر التمويل؛ فمن يريد أن يُعامل كمؤسسة صحفية، فعليه أن يلتزم بمعاييرها، لا أن يتصرف كحساب يبحث عن سبق رخيص أو إعلان بأي ثمن.
إذا لم تتحرك الجهات المختصة اليوم، فسنصل إلى سوق يحتكرها عدد محدود من المؤسسات الكبرى والمنصات الأجنبية، وتُقصى منها صحفنا الإلكترونية.
وسنجد أنفسنا بعد سنوات نتساءل: لماذا تراجعت صحافتنا؟ ولماذا اختفت صحف كانت تخدم مدنها ومجتمعاتها؟ والإجابة واضحة: لأنها تُركت وحدها، ولم تُمنح فرصة عادلة، ولم يُحمَ محتواها، ولم تُساعد على بناء مواردها.
نحن لا نطلب امتيازات بلا ضوابط، وإنما إجراءات تنظيمية واضحة من وزارة الإعلام والهيئة العامة لتنظيم الإعلام تضمن دعمًا عادلًا للصحف الإلكترونية المرخصة، وتفتح أمامها مجال الشراكات العالمية والإقليمية المنظمة، وتحمي الملكية الوطنية لصحفنا وبياناتها واستقلالها التحريري.
أما تركها تعاني غياب الدعم وضيق الفرص وشح الموارد، فهو استنزاف غير مبرر لمؤسسات وطنية تعمل تحت مظلة النظام، وتخدم المجتمع، وتمنح الكُتّاب والمحررين والمراسلين مساحة للعمل والإبداع، وتفتح للطلاب باب التدريب واكتساب الخبرة.
الصحافة التي نريدها لن تولد من منابر المؤتمرات، وإنما من صحف قادرة على دفع تكاليف الحقيقة، وصحفيين محترفين يستطيعون العمل في ظروف لائقة، وسوق إعلانية عادلة تكافئ الجادين والمبدعين، لا الأكثر ضجيجًا؛ فمن يُجَوِّع منابر وطنه اليوم، يترك للآخرين غدًا كتابة أخباره ورسم صورته وفق مصالحهم.
كاتب رأي

