لا تعادوا العقول

لا تعادوا العقول
محمد الفريدي
في كل مرحلة من التاريخ، تعود هذه القضية بأشكال مختلفة: لماذا تَرْتَبِكُ بعض الدول من صاحب الفكرة أكثر من ارتباكها من حامل السلاح؟ السلاح قد يفرض واقعًا مؤقتًا ومحدودًا، لكن الفكرة قادرة على تغيير طريقة تفكير مجتمع كامل.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يواجه المفكرون عبر العصور الماضية ضغوطًا أو رفضًا لمجرد طرحهم أفكارًا مختلفة؛ فحامل السلاح يمكن معرفة موقعه ومواجهته والتخلص منه بسهولة، أما صاحب الأفكار، أيًّا كانت أفكاره، فقد يطرح فكرة تنتقل من عقل إلى آخر دون أن يُعرف مكانه في بعض الأحيان، ثم تتحول مع الوقت إلى وعي وطني مُتَجَذِّر يصعب تجاهله.
سقراط لم يحمل سلاحًا في حياته ، لكنه طرح أفكارًا أزعجت مجتمعه، فاعتُبرت خطرًا، وأُعدم. وجاليليو لم يقد تمردًا، لكنه دافع عن أن الأرض تتحرك وتدور حول الشمس، مخالفًا التصور السائد في عصره، فحوكم عام 1633م وأُجبر على التراجع عن بعض آرائه، ثم حُكم عليه بالسجن، وخُفف الحكم بعد ذلك إلى الإقامة الجبرية التي ظل فيها حتى وفاته عام 1642م.
وفي زمن أقرب، أصبحت كتب إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي وفرانسيس فوكوياما ويوفال نوح هراري مادة للنقاش في الجامعات ومراكز البحوث حول العالم؛ لأنها تحمل أفكارًا مؤثرة تعبر الحدود وتصل إلى العقول، وتشكل خطرًا حقيقيًا على بعض الدول.
فخضع إدوارد سعيد لمراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لسنوات طويلة، وامتدت المتابعة إلى نشاطه السياسي العلني وَصِلَاتِهِ وكتاباته المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
واعتُقل نعوم تشومسكي خلال نشاطه المناهض لحرب فيتنام، وقضى وقتًا في السجن، ووُضع اسمه على قائمة خصوم الرئيس ريتشارد نيكسون، أما فرانسيس فوكوياما، فتعرض لهجوم فكري وسياسي من اليمين واليسار عندما أعلن تراجعه عن تأييد حرب العراق وابتعد عن التيار المحافظ الجديد الذي ارتبط به، لدرجة أن بعض خصومه وصفوه بالخيانة وَالْجُبْنِ.
ودخل المؤرخ والمفكر الإسرائيلي يوفال نوح هراري، المولود في إسرائيل عام 1976 والمنحدر من أسرة يهودية، في مواجهة فكرية وسياسية علنية مع حكومة نتنياهو بسبب علمانيته ومعارضته للتعديلات القضائية، ومع ذلك، بقيت أفكاره وأفكار هؤلاء حاضرة في المجتمعات والجامعات ومراكز البحوث والنقاشات؛ لأنها أفكار مؤثرة وُوجِهَت بالرفض من بعض الدول لقدرتها على عبور الحدود والوصول إلى العقول في أنحاء العالم.
وترك أيضًا مفكرون ومثقفون سعوديون، مثل غازي القصيبي وسعيد السريحي، مع حفظ الألقاب، أثرًا واسعًا من خلال مشاريعهم الفكرية والثقافية، وأثبتوا أن الكلمة تبقى حاضرة حتى بعد غياب أصحابها، وأن أثر الأفكار لا يحتاج إلى قوة مادية حتى يمتد في المجتمع.
ولكنهما لم يكونا بعيدين عن مثل هذه المواجهات؛ فقد أثار غازي القصيبي بديوانه (معركة بلا راية) اعتراضات واسعة، ووصل الأمر إلى المطالبة بمنع ديوانه ومعاقبته وفصله من الجامعة، ثم خضعت قصائده للدراسة أمام لجنة انتهت إلى عدم وجود ما يمس الدين أو الأخلاق فيها، ومُنع عدد من مؤلفاته من التداول سنوات طويلة.
أما سعيد السريحي، فقد دفع ثمن أفكاره بصورة مختلفة؛ فبعد مناقشة أطروحته للدكتوراه في جامعة أم القرى، حُجبت عنه الدرجة لاحقًا، على خلفية ما اعتُبر أفكارًا ومنهجًا لا يتفقان مع تعاليم الدين، وطُلب منه الرجوع عنها واختيار موضوع آخر، ومع ذلك، بقي القصيبي والسريحي حاضرين في المشهد الثقافي، وأثبتت تجربتهما أن محاصرة الأفكار لا تعني نهايتها، وأن الاختلاف مع العقول لا يلغي أثرها.
ومن جهة أخرى، ليست العلاقة بين الدولة والمفكر صراعًا بالضرورة، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذلك؛ فالدولة القوية ترى في الفكر والمفكر سندًا لها لا تهديدًا، والعقل الذي يفكر بحرية ومسؤولية يساعد على كشف مواطن الخلل مبكرًا ويقلل من كلفة الأخطاء.
والمفكر الحقيقي لا ينافس الدولة على الحكم، وإنما ينافس الجهل والجمود، ولا يسعى إلى إضعاف مؤسساتها، وإنما إلى رفع مستوى الوعي وتحسين أدائها. ومشكلتنا تبدأ عندما يُفهم النقد على أنه خصومة وعداء، ويتعامل بعض مثقفينا مع كل خلاف وكأنه معركة يجب أن يكون فيها منتصر ومهزوم.
لكن السؤال الأهم ليس لماذا يحدث هذا التوتر، وإنما كيف يمكننا تجاوزه؟ وأول الحلول، في اعتقادي، أن نوجد قنوات واضحة ومنظمة ومعلنة تسمح بوصول الرأي الجاد إلى صانع القرار؛ فليس كافيًا أن نطالب مثقفينا بأن يكتبوا ويقترحوا، ثم تُترك أفكارهم تدور داخل الصحف والمنصات دون أن تجد طريقًا إلى الجهة القادرة على الاستفادة منها.
أحيانًا لا تكون مشكلتنا في غياب الكلام، وإنما في غياب الطريق الذي تنتقل عبره الأفكار من أصحابها إلى من يستطيع تحويلها إلى قرار. ومن هنا تأتي أهمية وجود منصات ومجالس ومراكز تستقبل الآراء والمقترحات بطريقة جديدة ومبتكرة، وتفرزها وتدرسها، ثم ترفع ما يستحق منها إلى الجهة صاحبة الاختصاص.
وهذا لا يعني أن تتحول كل فكرة إلى قرار، ولا أن يكون كل نقد صائبًا؛ فالمطلوب أن يجد الرأي الجاد من يسمعه ويفحصه ويرد عليه، ورفض المقترح بعد دراسته أفضل بكثير من أن يشعر صاحبه بأن اقتراحه يذهب في الهواء.
وعندما يعرف المثقف والمفكر أن هناك جهة تستمع وتناقش وتوضح وترد عليه، تقل مساحة التوتر، ويتحول النقد من صوت خارج المؤسسات الحكومية إلى مساهمة يمكن أن تستفيد منها. كما أن الرد على الفكرة أكثر فائدة من تركها تتضخم بسبب الصمت أو سوء الفهم.
ومن الحلول أيضًا تقوية الجسور بين المسؤولين، والمستشارين الذين يكتبون في الصحف، والكتّاب والصحفيين وأصحاب الخبرة؛ فلدينا عقول كثيرة تعرف المشكلات عن قرب، وبعضها أمضى عشرات السنين في تخصصه، لكن الاستفادة منها لا تزال محدودة لعدم وجود آلية تربط المعرفة المتداولة في الفضاء العام بصناع القرار.
لماذا لا نناقش قضايانا قبل أن تتحول إلى أزمات؟ ولماذا لا تستعين الجهات بأصحاب الرأي المخالف قبل فوات الأوان؟ ولماذا لا تستعين إلا بمن يوافقها في كل شيء؟ نعرف أن الاستماع إلى الرأي الموافق مريح للنفس، لكن الآراء المختلفة تكشف زوايا لا يراها المسؤول، وتمنع وقوعنا في الأخطاء.
كذلك يجب أن يكون القانون هو المساحة التي يتحرك داخلها الجميع؛ فحرية الرأي لا تعني الإساءة أو نشر المعلومات غير الصحيحة أو التحريض، كما أن حماية النظام العام لا ينبغي أن تجعل النقد المسؤول موضع شك لمجرد أنه مختلف ومزعج. فالمجتمع الذي يفتح المجال للنقد المسؤول أكثر قدرة على اكتشاف مواطن الخلل ومعالجتها مبكرًا.
وضوح الحدود يحمي الطرفين؛ فيعرف المثقف والمفكر من خلالها ما له وما عليه، وتعرف المؤسسة الحكومية أن النقد الذي يلتزم بالقانون ليس عدوًا لها. وكلما كانت القواعد واضحة، قلت الاجتهادات الشخصية، وأصبح النقاش حول الأفكار نفسها، لا حول أصحابها ونواياهم.
وفي الجهة الأخرى، تقع على المثقفين والمفكرين مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات في الاستماع إلى الرأي المختلف؛ فليس كل اعتراض يُعد فكرًا، وليس كل نقد يُعد إصلاحًا. ومن يريد أن يكون شريكًا في الحل عليه أن يتحقق من معلوماته، وأن يفهم طبيعة المشكلة قبل إصدار حكمه، وأن يفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين حالة طارئة ومشكلة متكررة.
ومن هنا، فإن تشخيص الخطأ وحده لا يكفي؛ فمن السهل أن نقول إن هذا القرار سيئ أو هذه المؤسسة أخفقت، لكن الأصعب والأكثر فائدة أن نسأل: ما البديل؟ كم يكلفنا؟ وهل يمكن تطبيقه؟ وما النتائج المتوقعة منه؟ هنا ينتقل المفكر والمثقف من مجرد ناقد إلى شريك حقيقي في التصحيح.
والمهم ألا يتحول التواصل بين المفكر والمثقف والمسؤول إلى أمر شخصي؛ فنقد القرار لا يعني الطعن في المسؤول، ورفض المسؤول لفكرة ما لا يعني إهانة صاحبها. وعندما نفصل الأشخاص عن الأفكار، يصبح الحوار أكثر هدوءًا وفائدة، وتصبح مساحة الاختلاف فرصة للوصول إلى حلول أفضل بدلًا من أن تتحول إلى خصومة شخصية.
قد يخطئ المثقف والمفكر، كما قد يخطئ المسؤول، والاعتراف بالخطأ لا ينتقص من أحد. والمشكلة الحقيقية أن يتحول عدولنا عن آرائنا الخاطئة إلى هزائم شخصية، فيتمسك كل طرف منا بمواقفه حتى بعد ظهور ما يثبت ضعفها، ويدافع عنها خشية أن يُفهم تراجعه على أنه ضعف، مع أن الرجوع عن الخطأ دليل على النضج والمسؤولية.
ونعيد الاعتبار لثقافة الانتقاد داخل مؤسساتنا؛ فالموظف الذي يرى الخلل كل يوم يملك فكرة لا يملكها من يجلس في أعلى الهرم، وإذا خاف من الكلام، تصل الصورة إلى المسؤول ناقصة ومجملة، ثم يفاجأ الجميع بالمشكلة بعد أن تكبر وتطفو على السطح.
المؤسسات القوية لا تبحث عمن يقول لها إن كل شيء فيها بخير وعلى ما يرام، وإنما تبحث عمن يخبرها مبكرًا بأنها ليست بخير، ثم تمنحه المساحة ليشرح ويقترح، وهذا النوع من النقد الداخلي يُعد من أهم وسائل حماية الدولة ومؤسساتها من الأخطاء المتراكمة؛ فلم تكن الأفكار الواضحة يومًا خصمًا للدولة، وإنما هي خصم للجمود والخوف من التغيير والعجز عن مواجهة الأسئلة.
ودولتنا تحتاج إلى العقول كما تحتاج العقول إلى دولة مستقرة وقوية تحمي مجتمعنا وتفتح أمامه أبواب التقدم. وإذا التقى الطرفان في مساحة من الثقة والمسؤولية، فلن يصبح المفكر مصدر قلق أو إزعاج، ولن يرى في دولته سدًا منيعًا يقف أمامه.
والدول التي تثق بنفسها ترى في العقل شريكًا، والمفكر الذي يعرف مسؤوليته يرى في النقد وسيلة للبناء، لا للاستعراض والتحريض. والتاريخ حسم هذه المسألة منذ زمن؛ فكم من دولة امتلكت جيوشًا ثم تلاشت، وكم من مفكر رحل وبقيت أفكاره حية تتجاوز الحدود والأجيال والزمن.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بالعقول هو أن نخاف منها أو نحاصرها لمجرد أنها ترى ما لا نراه. والدول المستقرة لم تبنِ مستقبلها بالقوة وحدها، وإنما بالعقول التي تكشف لها الخطأ قبل أن يكبر ويتفاقم، وتطرح الحلول قبل أن تتعقد الأمور، وتقول ما يجب أن يقال في الوقت الذي يجب أن يقال فيه. فالدولة التي تستمع إلى عقول أبنائها ومفكريها ومثقفيها لا تخشى أفكارهم، وإنما تجعل منها قوة تحمي بها حاضرها وتصنع مستقبلها.




موفق كاتبنا الوقور ،،
ولايصح الا الصحيح …
وكما يقال ؛
ولكل زمان دولة ورجال
الأستاذ المختلف ابو سلطان ،
لله درّك؛ لقد وضعت يدك على مفاصل الوعي المؤسسي الذي تحتاجه المرحلة.
إن حديثك عن الفكر والمفكر والاختلافات في الطرح بل انت وكانك تتحدث عن اهم اركان / أبعاد الحوكمة لأدبيات الحوكمة الرشيدة وهما المساءلة والشفافية ولم يكن مجرد استعراض، بل تقديم لجوهر الوطنية الرشيدة- الفكر النظري حين ينفصل عن واقع المؤسسات يصبح ترفاً، لكنه حين يتجسد في ممارسات الشفافية والنقد البناء يتحول إلى محرك تحسين مستمر ورافد أساسي لنجاح الدولة ونضجها التنظيمي.
النقد الشجاع الصادق لا يعارض مسار الوطن، بل هو البوصلة التي تصحح المسار وتضمن استدامة المنجزات. مقال يمثل بالفعل منهج عمل لكل مؤسسة تسعى للسيادة والتميز المؤسسي.
دام قلمك وفكرك المسدد.