كُتاب الرأي

عصر المؤثرين يبتلعنا

عصر المؤثرين يبتلعنا

محمد الفريدي

نحن نعيش واحدة من أخطر التحولات التي غيرت طريقة تفكيرنا، فلم تعد جدارتنا هي معيارنا الأول للظهور، ولم تعد ثقافتنا وخبرتنا لهما ذلك التأثير، ولم تعد أفكارنا العميقة قادرة وحدها على الوصول إلى عقول الناس.

أصبحنا في زمن يستطيع فيه أي شخص لا يمتلك علما حقيقيا أن يجمع من حوله ملايين المتابعين، بينما يقضي الباحث والكاتب والمفكر منا سنوات من عمره في تقديم معرفة لا يسمع بها إلا القليل.

مشكلتنا ليست في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا في بروز المؤثرين، ولا في انتقال ثقافتنا إلى العالم الرقمي، مشكلتنا في أننا بدأنا نخلط بين الشهرة والجدارة، وبين الانتشار والتأثير، وبين كثرة المتابعين وعمق الفكرة.

نحن نعيش في زمن أصبحت فيه قدرتنا على جذب المتابعين تحل محل صناعة العقول، نفتح هواتفنا كل صباح ونجد أمامنا سيلا من النصائح الجاهزة: كن إيجابيا، ثق بنفسك، لا تستسلم، احلم، طور ذاتك، اصنع مستقبلك، وهي عبارات تتكرر حتى فقدت معناها، وتصور على أنها حكم عظيمة، مع أنها لا تتجاوز بديهيات نعرفها جميعا بالفطرة.

نحن لا نحتاج في هذا الزمن إلى مزيد من الجمل المحفوظة، نحن بحاجة إلى أفكار تحرك عقولنا، وتثير الأسئلة، وتجبرنا على مراجعة مواقفنا، وتدفعنا إلى التفكير خارج القوالب الجاهزة، وتجعلنا نعيد النظر في ما اعتدنا أن نراه من البديهيات.

لكننا لا نمنح هذا النوع من المحتوى المساحة التي نمنحها للمحتوى السريع، والسبب واضح: المحتوى العميق يحتاج منا إلى وقت، بينما تريد المنصات استبقاءنا وقتا أطول أمام شاشاتنا مع أقل قدر ممكن من التفكير.

وهنا تبدأ مشكلتنا الحقيقية، فقد أصبحت متابعتنا سلعة، وكل دقيقة نقضيها أمام شاشاتنا لها قيمة مالية، وكل تفاعل نمنحه لمحتوى يدخل في حسابات المنصات والمعلنين والمؤثرين وصناع المحتوى، ووقتنا جزء من اقتصاد رقمي يقاس باستمرارنا في المشاهدة والمتابعة والمشاركة، وعقولنا جزء من هذه المعادلة.

لذلك لا تبحث الأنظمة الرقمية عما يفيدنا، وإنما تركز على ما يجعلنا نبقى وقتا أطول أمام شاشاتنا، حتى لو كان الذي يبقينا أمامها لا يضيف إلى عقولنا شيئا يذكر، والنتيجة أصبحنا أمام أنظمة تكافئ ما يثيرنا أكثر مما تنمي عقولنا.

نحن نرى محتوى يثير الغضب، وآخر يثير الفضول، وثالث يبيع الوهم، ورابع يستعرض الحياة الخاصة، وخامس يقدم وصفات جاهزة للنجاح والثروة والسعادة، والمهم أن نشاهد، وأن نتفاعل، وأن ننتقل من مقطع إلى آخر، أما ماذا أضاف كل هذا إلى عقولنا؟ فيأتي في المرتبة الأخيرة.

نحن الذين فتحنا الباب، ولا يمكن أن نلقي المسؤولية كلها على المؤثرين، ونحن الذين نتابع، ونحن الذين نضغط، ونحن الذين نشارك، ونحن الذين نجعل محتوى تافها يصل إلى الملايين.

حين نمنح التفاهة ملايين المشاهدات، فإننا لا نكتفي بمشاهدتها، وإنما نساهم في زيادة الطلب عليها، وحين نمر على مقال فكري جاد دون أن نقرأه، ثم نقضي ساعة كاملة في متابعة تفاصيل حياة شخص لا يقدم لنا شيئا، فإننا نعلن بوضوح عن نوع المحتوى الذي نريده.

ونمنح المنصات إشارة واضحة إلى ما يستحق أن تمنحه مساحة أكبر وثمنا أعلى، وما يمكن أن يبقى خارج دائرة اهتمامنا.

نحن شركاء في المشكلة، والأخطر أننا بدأنا نعتاد على هذا المستوى من المحتوى والسلوك والسلع، حتى أصبح العمق في نظرنا مُمِلًّا، والكتاب طويل، والمحاضرة طويلة، والمقال يحتاج إلى تركيز، والفكرة المعقدة تحتاج إلى وقت.

أما المقطع القصير فلا يحتاج إلى شيء سوى إصبع يحرك الشاشة، حتى أصبحنا نبحث عن المحتوى الذي يسلينا أكثر من المحتوى الذي يضيف إلينا، ونمنح وقتنا لما يمر سريعا، ونترك ما يحتاج منا إلى قراءة وتأمل وفهم.

ننتقل من محتوى إلى محتوى، ومن رأي إلى رأي، ومن مؤثر إلى مؤثر، ثم نخرج في نهاية اليوم محملين بآلاف المعلومات المتناثرة دون أن نحتفظ بفكرة واحدة متماسكة، أو حصيلة غير قابلة للنسيان.

هذه ليست معرفة، وإنما ازدحام بالمعلومات داخل عقولنا، وهنا يجب أن نسأل: ماذا حدث للمثقف؟ لا نستطيع أن نلقي المسؤولية على الناس وحدهم، لأن جزءا كبيرا منها يقع على المثقف والمؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية، فقد تركنا مساحة واسعة في الفضاء الرقمي، فوجد الآخرون فيها مكانا وملؤوها.

وكثير منا ظل يتعامل مع العالم الرقمي باعتباره مساحة سطحية لا تليق بالفكر الجاد، وظل يتحدث إلى نفسه، ويكتب بالطريقة نفسها، ويقدم المعرفة باللغة القديمة نفسها، ثم يتساءل: لماذا لا نصل إلى الجيل الجديد؟

لأن الناس ذهبوا إلى المكان الذي وجدوا فيه من يخاطبهم، ونحن بحاجة إلى مثقف مختلف؛ مثقف لا يخاف من المنصات الرقمية، ولا يعتبر استخدامه للفيديوهات أو البودكاست تنازلا عن قيمته الفكرية، ولا يعتقد أن الفكر لا يمكن تقديمه إلا بلغة معقدة، وإنما يعرف كيف يخاطب الناس بلغتهم، ويقدم أفكاره بطريقة تجذبهم، دون أن يتنازل عن عمقها وجديتها.

المشكلة ليست في أن تكون الفكرة سهلة، وإنما في أن تكون فارغة، ونحن نستطيع أن نقدم فكرة عميقة بلغة بسيطة، وأن نجعل المعرفة ممتعة، وأن نحول الكتاب إلى تبادل أفكار، والمحاضرة إلى محتوى رقمي، والمقال إلى نقاش حي.

نحن لا نحتاج إلى أن ننافس المؤثرين في تفاهتهم، وإنما نحتاج أن ننافسهم في قدرتنا على الوصول إلى العقول، وتقديم معرفة قريبة من عقول الناس، تجعلنا أكثر حضورا في حياتهم، وتمنحهم مساحة أوسع للتفكير والتساؤل وإعادة النظر في أفكارهم.

فنحن لا نربي أبناءنا وحدنا داخل بيوتنا، ولم نعد المصدر الوحيد المؤثر في حياتهم، فالشاشات والمنصات الرقمية أصبحت حاضرة معهم في كل دقيقة، وتشاركنا في تشكيل أفكارهم واهتماماتهم وطريقة رؤيتهم للعالم والقيم والأخلاق والمبادئ.

الطفل الذي يجلس في غرفته يحمل جهازا يستطيع من خلاله خلال ساعة واحدة أن يستقبل عشرات الرسائل والقيم والصور والسلوكيات، ويسمع من شخص غريب أكثر مما يسمع من والده، ويقتدي بمؤثر أكثر من أن يقتدي بمعلم أو كاتب أو عالم، وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية في أن نكون حاضرين في عالمه الرقمي وألا نتركه وحيدا أمامه، فقد دخلنا مرحلة صعبة أصبحت الهواتف فيها شريكا لنا في تربية أبنائنا.

إذا لم ننتبه، سيكبرون وهم يعرفون تفاصيل حياة أشخاص لم يلتقوا بهم أبدا، ولا يعرفون تاريخ أسرنا وقبائلنا، ولا قيم مجتمعنا، ولا تاريخ وأمجاد وطننا، ولا لماذا يجب أن تكون المعرفة جزءا من حياتنا، وقد نجد أنفسنا أمام جيل يعرف العالم من خلال شاشته، لكنه لا يعرف نفسه ولا جذوره ولا ما الذي يشكل هويته.

نحن لا نريد أن نعزل أبناءنا عن العالم، فهذا مستحيل وغير مطلوب، وإنما نريد أن نمنحهم القدرة على التمييز، وأن يعرفوا أن كثرة متابعي المؤثرين لا تعني أن أصحابها جديرون بالثقة، وأن الشهرة ليست شهادة علمية يسعون إليها، وأن الصورة الجميلة ليست دليلا على حياة جميلة، وأن كثرة التفاعل لا تجعل أفكارنا صحيحة.

نحن أمام أزمة تعليم، ولا يمكن أن نبني جيلا قادرا على مواجهة هذا السيل من المعلومات بتعليم يقوم على الحفظ والتلقين، نحن بحاجة إلى تعليم يعلم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون، ونريد طلابا يسألون: من قال هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل هناك دليل؟

هل ما نراه رأي شخصي أم حقيقة مؤكدة؟ وهل الصورة التي أمامنا كاملة؟ وهل هناك مصلحة لأحد في تقديم هذا المحتوى أو ذاك بهذه الطريقة؟ فقد أصبح طرح هذه الأسئلة والقدرة على الإجابة عليها من أساسيات التعليم والتفكير، وليست أمورا ثانوية نترك إجاباتها للمؤثرين.

لأن أخطر مواطن في عصرنا هذا ليس من يجهل المعلومة، وإنما من يصدق كل معلومة تصل إليه، ونحن بحاجة إلى تحول فكري حقيقي، لا إلى حرب تشن على المؤثرين، ولا إلى رفض التكنولوجيا، ولا إلى الحنين إلى الماضي القديم، وإنما نحتاج إلى تحول في طريقة تعاملنا مع الجميع.

نريد مؤثرين يقدمون معرفة ومعلومات حقيقية تستحق الاهتمام والاحترام، وكتابا يعرفون كيف يصلون إلى القارئ بسهولة، ومعلمين يستطيعون أن يحولوا الدروس إلى تجارب مختلفة، وإعلاميين يواجهون الشائعات بالمعلومات الدقيقة والمقنعة، ومؤسسات ثقافية تعرف أن أبناءنا موجودون على هواتفهم على مدار الساعة، ولا تنتظر منهم أن يأتوا إليها ويسألوها: ماذا أخذنا من هذا المحتوى؟ وماذا أخذ منا؟

نحن لا نستطيع إيقاف تقنيات المنصات الرقمية، لكننا نستطيع رفض الخضوع لها، ونستطيع إغلاق شاشاتنا وفتح عقولنا، وأن نتابع وندعم أصحاب الأفكار المستنيرة بدلا من متابعة ودعم أصحاب الإثارة والجدل والكلام الفارغ، وأن نمنح وقتنا لمن يضيف إلى عقولنا فائدة كبيرة، لا لمن يستنزفها بلا فائدة ولا يضيف إليها شيئا يذكر.

ليست القضية معركة بين المثقفين والمؤثرين كما يحاول البعض تصويرها، ولا بين الماضي والحاضر والمستقبل، ولا بين الكتاب والهاتف والتقنية، فالقضية أكثر خطورة: هل نريد أن نبني عقولا، أم نريد فقط أن نملأ شاشاتنا بالتفاهة؟ وهل نريد جيلا يفكر ويميز، أم جيلا يكتفي بالتفاعل والتمرير والمتابعة؟

نحن في زمن أصبحت فيه الشهرة سهلة جدا، والوصول إلى الملايين أصبح ممكنا بضغطة زر وافتعال مواقف وإنتاج مضامين، ولكن كل هذا لا يعني أن المعرفة الحقيقية أصبحت متاحة للجميع.

قد يستقطب أحد المؤثرين ملايين المتابعين، ولا يقدم فكرة واحدة تستحق الاستماع إليها، وقد يكتب آخر مغمور لفئة صغيرة بضع كلمات، ويغير حياة مواطن واحد، أو يفتح أمامه سؤالا جديدا، أو يضع في يد شاب معرفة تغير مستقبله، فالقيمة الحقيقية ليست في عدد المتابعين، وإنما في ما نقدمه للناس وما نتركه في عقولهم من أثر.

ونحن لا نحتاج إلى أصوات أعلى، وإنما إلى أفكار أعمق، فالإثارة والاستعراض يجذبان المتابعين، لكن العمق يصنع الأثر، والشهرة قد تصنع نجما، لكن المعرفة تصنع إنسانا قادرا على التفكير وصناعة أثر يبقى في العقول بعد أن يهدأ الضجيج.

إذن فنحن من يقرر لمن نعطي وقتنا، ومن نمنح ثقتنا، ومن نسمح له بالمشاركة في تشكيل وعي أبنائنا وتربيتهم، ونحن لا نخسر المعركة عندما يتفوق المؤثر على المُثَقَّف، وإنما نخسرها عندما يصبح محتواه الهابط سقفا لطموحنا، ونطمح فقط إلى تجاوزه.

ونخسرها كذلك عندما نعجز عن تقديم البديل الذي يمنح أبناءنا معرفة أعمق، ويمنحهم القدرة على التفكير، وطرح تساؤلاتهم، وغرس ما يستحق أن يبقى من قيم في ذاكرتهم ومستقبلهم، ونحن اليوم مسؤولون عن ذلك، والفراغ الذي سنتركه سيملؤه غيرنا.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫3 تعليقات

  1. مقالٌ يقرأ الواقع بعميق، ويقدّم رؤى ناضجة بأسلوبٍ أدبي يجمع سلاسة التعبير وعمق المعنى. كل الشكر لهذا القلم المضيء الذي يحسن طرح القضايا بوعيٍ وجمال، ويمنح القارئ مساحةً للتأمل والتفكير.

  2. صدقت وأحسنت.. مقالك يلامس واقعا نعيشه كل يوم.. فالمشكلة ليست في المؤثرين بقدر ما هي في المعايير التي نمنح بها وقتنا وثقتنا، وأجمل ما يطرحه المقال أن المواجهة لا تكون برفض التقنية ولكن ببناء وعي يميز بين الشهرة والقيمة وبين كثرة المتابعين وعمق الأثر فالفائدة الأهم: أن نختار ما نتابعه بوعي وأن نعلّم أبناءنا التفكير والسؤال قبل التصديق والمشاركة.،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.