مستقبلنا سيدفع الفواتير

مستقبلنا سيدفع الفواتير
محمد الفريدي
لم نعد نعيش كما كنا قبل سنوات مضت، رغم أن بيوتنا لم تتغير، ورواتبنا لم تتوقف، وحياتنا لم تتعطل، لكن شيئا أعمق بدأ يتغير: القوة الحقيقية لدخلنا أمام تكاليف الحياة.
فما كنا نعده أمرا طبيعيا بالأمس، أصبح يحتاج منا اليوم إلى دراسة وتفكير وتخطيط، وما كنا نشتريه دون تردد، أصبحنا نفكر مرتين قبل شرائه، وما كنا ندخره لمستقبلنا، استهلكناه لتغطية احتياجاتنا اليومية.
هذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها كثيرا، لأن ما يحدث لا يتعلق بمن يملك أكثر ومن يملك أقل، وإنما يتعلق بنا جميعا وبقدرتنا على الحفاظ على مستوى الحياة الذي اعتدنا عليه جميعا.
نحن نعمل ونبني ونخطط لمستقبلنا، ونحاول أن نؤمن لأسرنا حياة مستقرة، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة بدأ يفرض علينا ضغوطا وتحديات كثيرة لم تكن حاضرة في حياتنا من قبل.
فأصبحنا نعيد ترتيب أولوياتنا، وندقق في مصروفاتنا، ونؤجل بعض احتياجاتنا، لأن المحافظة على ما بنيناه أصبحت تحتاج إلى جهد أكبر من السابق، فنحن لا نريد حياة مترفة، وإنما نريد حياة مستقرة لا نضطر فيها إلى التفكير كثيرا قبل كل خطوة.
لكن السنوات الأخيرة حملت معها ضغوطا متراكمة، ارتفعت خلالها تكاليف بعض السلع والخدمات، وأصبح السكن يمثل عبئا كبيرا على كثير من أسرنا، وتزايدت التزاماتنا، فيما ظلت مداخيلنا لا ترتفع بما يكفي لوقف تآكل قدرتنا الشرائية.
ثم جاءت حرب غزة لتضيف مزيدا من الضغوط والمخاوف، بالتزامن مع التوترات المرتبطة بإيران، والاضطرابات الأمنية والسياسية في اليمن والعراق وسوريا والسودان وليبيا ولبنان، والمخاطر التي تواجه طرق التجارة والممرات البحرية، وهي كلها أحداث تتجاوز آثارها حدود السياسة.
الحرب قد تبدأ بعيدا عنا بصاروخ، لكنها قد تصل إلينا في صورة تَكْلِفَةِ نقل أعلى، أو تأمين أغلى، أو ارتباك في الإمدادات، أو ارتفاع في أسعار بعض السلع، وبذلك نصبح، نحن الذين لا نحمل سلاحا في أي جبهة، أطرافا غير مباشرة في فاتورة الصراع.
وهنا تكمن المفارقة القاسية، فقد لا نسمع صوت المدافع، لكننا نسمع أصوات الفواتير، والفواتير لا تعرف الحدود الجغرافية ، ولا تقف آثار الحرب عند هذا الحد، والأسعار حين ترتفع تصبح مشكلتنا أكبر، خاصة عندما لا يرتفع دخلنا بالوتيرة نفسها، ومن هنا يبدأ الاختلال الصامت بين دخلنا ومصروفاتنا.
في البداية تخلينا عن الكماليات، ثم قللنا السفر، وأجلنا شراء سيارة جديدة، ثم أجلنا بعض احتياجات المنزل، وبدأنا في الاقتراب من مُدَّخَرَاتِنَا، ثم جاء القرض، وأصبح جزء من رواتبنا محجوزا للبنك قبل أن تصل إلينا.
وهنا تحولت رواتبنا من أداة لبناء مستقبلنا إلى أداة لتسديد أعباء الماضي، وهذا هو التآكل الحقيقي، فنحن الطبقة المتوسطة لا نسقط بضربة واحدة، وإنما نتراجع ببطء، درجة بعد درجة، حتى يأتي اليوم الذي نكتشف فيه أن الكماليات التي كنا نعتبرها معتادة أصبحت باهظة الثمن ويصعب علينا تحملها.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أمر مهم: ارتفاع مستوى معيشتنا لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة حياتنا، فقد نمتلك هاتفا أفضل، وسيارة أحدث، وخدمات أكثر، لكننا في الوقت نفسه نعيش تحت ضغط مالي أكبر، ونشعر أن دخلنا يختفي بسرعة، وأن أي ظرف طارئ يمكن أن يقلب ميزانيتنا رأسا على عقب.
وهذا الشعور أخطر من القيمة نفسها، لأننا نستطيع أن نتكيف مع ارتفاع سعر سلعة، لكن يصعب علينا أن نتكيف مع شعور دائم بأن مستقبلنا غير مضمون.
فنحن نعيش في المقام الأول على الثقة بمستقبلنا، ونعمل اليوم لأننا نؤمن أن غَدَنَا سيكون أفضل، ونشتري بيتا لأننا نؤمن أننا قادرون على سداده، ونربي أبناءنا ونعلمهم لأننا نؤمن أن تعليمهم سيمنحهم فُرْصَةً أفضل.
وَنَدَّخِرُ لأننا نؤمن أن المال الذي نَدَّخِرُهُ سيؤمّن مستقبلنا عندما نتقدم في العمر، فإذا تراجعت هذه الثقة، تبدأ مشكلتنا في تجاوز الاقتصاد وتصبح مشكلة اجتماعية.
عندما نشعر أن رواتبنا تكفي بالكاد، فإننا نبدأ في تأجيل قرارات مهمة في حياتنا، وعندما نؤجل الزواج، أو شراء المنزل، أو الإنجاب، أو التعليم، أو الاستثمار، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند حساباتنا البنكية، وإنما يمتد إلى مجتمعنا كله.
ولهذا فإن حماية الطبقة المتوسطة ليست دفاعا عن رفاهية فئة اجتماعية مُعَيَّنَةٍ، وإنما دفاع عن توازننا الاجتماعي نفسه، وعن قدرة أُسَرِنَا على بناء مستقبلها بثقة، وعن مجتمع يستطيع أفراده أن يعملوا وينتجوا ويخططوا لحياتهم دون أن تتحول الضغوط المالية إلى عوائق أمام طموحاتهم.
فنحن الطبقة التي تجتمع فيها الطموحات بالقدرة على الإنجاز، ومن بيننا تَخَرَّجَتْ أجيال بَنَتْ مؤسسات الدولة، وحملت رسالة التعليم، ودعمت الاقتصاد، وأسست المشروعات، وربت أبناءها على أهمية العمل.
وحين تضيق هذه الطبقة، يصبح التباعد في مجتمعنا أكبر بين من يملكون كثيرا، ومن يملكون بالكاد ما يكفي، وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال كم ارتفع متوسط الدخل؟ فالمتوسط قد يخفي خلفه قصصا كثيرة.
السؤال الأهم هو: كم بقي من دَخْلِنَا بعد أن دفعنا تكاليف معيشتنا الأساسية؟ كم نستطيع أن نَدَّخِرُ؟ كم نستطيع أن نستثمر؟ كم نستطيع أن نواجه به ظرفا طارئا؟ وكم بقي لدينا من المال كي نعيش، لا كي ندفع فقط؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية التي تكشف حقيقة قوتنا الشرائية.
ولذلك فإن الاقتصاد لا ينبغي أن ينظر إلينا باعتبارنا مستهلكين فقط، فنحن شركاء في الاقتصاد، وكلما شعرنا بأن نُمُوَّهُ ينعكس على حياتنا، زادت ثقتنا بمستقبلنا، وزادت قدرتنا على الإنفاق والاستثمار والإنتاج، أما إذا ظللنا نشعر بأن كل زيادة في دخلنا تلتهمها زيادة أخرى في تكاليف الحياة، فإننا ندخل في سباق لا يفوز فيه أحد.
نحن أمام مرحلة تحتاج إلى وعي مختلف، ونحتاج إلى أن ننظر إلى الأسعار والسكن والرواتب والديون وَالِادِّخَارُ باعتبارها عناصر في منظومة واحدة، فليس المهم أن تزداد رواتبنا على الورق فقط، وإنما المهم أن يبقى منها شيء بعد نهاية الشهر.
وليس المهم أن نمتلك منازلا فقط، وإنما المهم ألا تتحول منازلنا إلى عبء يستنزف معظم دخلنا، وليس المهم أن يحصل أبناؤنا على التعليم، وإنما المهم ألا يصبح تعليمهم سببا في أن نعيش سنوات عمرنا تحت ضغط الديون.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول حديثنا عن ارتفاع الأسعار إلى خطاب محبط يضعف ثقتنا باقتصادنا الوطني، فنحن نعيش تحولات اقتصادية كبيرة، ونبني قطاعات جديدة، ونوسع فرص العمل والاستثمار، ونعمل على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل، وهذا مسار مهم للغاية.
لكن نجاح تحولنا الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم المشروعات الكبرى، وإنما يقاس أيضا بمدى قدرتنا، نحن الأسر السعودية في الطبقة المتوسطة، على الشعور بالأمان، ورؤية أثر هذا النُّمُوِّ في حياتنا اليومية، وأن يصبح مستقبلنا أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة مُتَطَلَّبَاتِ الحياة.
فالاقتصاد في جوهره ليس مباني شاهقة ولا ميزانيات ضخمة، الاقتصاد هو حياتنا، هو مائدتنا التي نجتمع حولها، هو منزلنا الذي نعود إليه بعد يوم طويل من التعب، هو القسط الذي ينتظرنا نهاية الشهر، هو حلمنا الذي نريد أن نحققه لأبنائنا، هو المال الذي نَدَّخِرُهُ دون أن نشعر أننا نعاقب أنفسنا بِالادِّخَارِ.
ولهذا فإن حماية الطبقة المتوسطة يجب ألا تكون ردة فعل أمام موجة غلاء، وإنما رؤية مستمرة، فنحن نحتاج إلى اقتصاد يجعل العمل مُجْزِيًا، والإنتاج مربحا، والادخار ممكنا، والسكن في متناول الأسرة، والمنافسة حقيقية، والفرص واسعة.
ونحتاج إلى أن نشعر بأن ترقينا في العمل يغير حياتنا فعلا، وأن زيادة إنتاجيتنا تنعكس على دخلنا، وأن مستقبلنا ليس غرفا مغلقة لا نملك مفاتيحها.
فالخطر الحقيقي ليس أن نتخلى عن مطعم أو رحلة أو سيارة، فهذه أمور يمكن احتمالها، وإنما الخطر أن نبدأ في التخلي عن مستقبلنا نفسه، عندما نتوقف عن الادِّخَارِ لأننا لا نستطيع الادِّخَارِ، وعندما نؤجل أحلامنا لأننا على (الحديدة)، وعندما يصبح كل طموحنا أن نصل إلى نهاية الشهر دون دين جديد، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل: هل ما زلنا نعيش الحياة التي نريد؟
إن المجتمع القوي لا يقوم على طبقة غنية تَكْبُرُ وحدها، وإنما يحتاج إلى طبقة متوسطة واسعة، وَاثِقَةٌ، مُنْتِجَةٌ، قادرة على الإنفاق والاستثمار وتربية الأجيال، لأن الطبقة المتوسطة لَيْسَتْ مجرد مستفيدة من الاستقرار، وإنما هي واحدة من أهم صانعيه، وهي التي تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية استمرار هذا الاستقرار وتحويله إلى فرص حقيقية للأجيال القادمة.
والحروب التي تحيط بنا قد لا نستطيع دائما إيقافها جميعا، والأسواق العالمية قد لا نستطيع التحكم فيها، لكننا نستطيع أن نمنع آثارها من أن تتحول إلى ضغط دائم على حياتنا، وأن نعمل على بناء اقتصاد أكثر قدرة على حماية دخلنا واستقرارنا أمام هذه المتغيرات.
فإذا كنا نعمل وندخر ونخطط ونحلم، فهذه علامة قوة، أما إذا بدأنا نتوقف عن الادخار، ونؤجل أحلامنا، ونخشى من المستقبل أكثر مما نثق بقدرتنا على الوصول إليه، فهذه إشارة تستحق أن نتوقف عندها ونفهم الأسباب.
أما إذا كنا نعمل أكثر، وننفق أكثر، ونستدين أكثر، ونحلم أقل، فهذا جرس إنذار يجب ألا نتجاهله، لأن تآكل طبقتنا المتوسطة لا يبدأ عندما نفقد أموالنا، وإنما يبدأ عندما نفقد القدرة على بناء الغد، وحينها لا يكون الخطر من ارتفاع الأسعار وحده، وإنما من أن يتحول مستقبلنا من آفاق واسعة لأحلامنا إلى فواتير مؤجلة السداد، وهذه الفواتير، إذا تركناها تَكْبُرَ، ستكون حتما أقسى من كُلِّ الفواتير!
كاتب رأي



مقال جميل للصديق محمد الفريدي أضاء وجهاً حقيقياً من مكعب الحياة والاقتصاد وأحسن وصفه لكنه أثار في ذهني سؤالاً عن الوجوه الخمسة الأخرى وعن الحل الذي ينبغي أن يأتي بعد التشخيص
لذلك سأدير المكعب قليلاً في مقال قادم لعلنا نرى الصورة من وجوهها الأخرى
كمال عثمان
مقال رائع سلمت الأنامل الذهبيه استاذ محمد
حين ينطق القلم بوجع الواقع، يُصبح الحرف مرآةً تُجسّد نَبْض الشارع وكرامة الإنسان.. مقال ثريّ بالوعي ورؤية تعكس حقيقة ما نعيشه. كل الشكر للكاتب محمد الفريدي.
الأستاذ القدير محمد الفريدي..
لقد وضعت اليد على الجرح الأكثر عمقاً في تشريح تحولات مجتمعاتنا، فالطبقة المتوسطة ليست مجرد شريحة استهلاكية في معادلة الأرقام، بل هي الروح الأخلاقية والعماد الصلب لتماسك المجتمع وتوازنه الفلسفي.
المقال يضيء بمنطق فلسفي ورصانة واعية على مفارقة صامتة: كيف يمكن لغلاء المعيشة واضطرابات العالم أن تتسرب إلى مائدتنا اليومية؟ وتسرق ثقتنا بالغد؟ تحولاً من صناعة المستقبل إلى مجرد مطاردة استحقاقات الماضي.
إن خطورة هذا التآكل البطيء لا تكمن في تراجع الأرقام البنكية، بل في انخلاع الطمأنينة الاجتماعية وتأجيل الأحلام، حين تصبح الفواتير هي المسطرة التي تقيس أفق الإنسان.
انت تكتب الكتابة استثنائية، التي تشخص الأزمة بوعي وازن يوازن بين الإدراك الوطني الصادق والانحياز لكرامة الإنسان واستقراره، قلم يقرأ المسكوت عنه ببراعة واقتدار.