كُتاب الرأي

من الجمود إلى صناعة التأثير

من الجمود إلى صناعة التأثير

محمد الفريدي

شهدت الساحة الثقافية والفكرية في المملكة تحولات عميقة خلال السنوات الماضية، عكست حراكا مستمرا ربط بين إنتاج المعرفة والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى.

وبناء على ذلك، فإن مسألة المثقف السعودي لم تكن مجرد غياب أو قلة في الإنتاج المعرفي، وإنما كانت انعكاسا مستمرا لطبيعة العلاقة بين المعرفة، والمؤسسات الحكومية، والمجتمع.

ولهذا السبب، ظل حاضرا تاريخيا عبر منابر الصحافة والأندية الأدبية والمؤسسات الأكاديمية، وساهم بفاعلية في صياغة الوعي وطرح أسئلة الهوية والتنمية والتحديث.

ومع ذلك، يقف اليوم أمام اختبار دقيق يتصل بمدى قدرته على مواكبة التسارع الحضاري، مما يتطلب إعادة صياغة أدواته، في وقت تتراجع فيه أنماط التفكير التقليدية أمام موجات المتغيرات الرقمية والإعلامية.

وفي المقابل، تتصاعد الخطابات السريعة التي لا تعتمد على العمق المعرفي أو المنهج النقدي المتكامل.

ومن هذا المنطلق، ارتبط حضور الفكر والتنوير بالقدرة على إنتاج وعي يلامس تطلعات المواطنين، ويكشف عن مسارات التطوير، ويطرح الأسئلة الجوهرية التي تخدم مسيرة البناء والتنمية.

فلم يكن المثقف السعودي في مسيرته التاريخية مجرد ناقل للمعلومات أو مدون للملاحظات كما هو اليوم، وإنما كان جزءا أصيلا من بناء الوعي، والمساهمة في صياغة الملامح الثقافية للمملكة، والإسهام في توجيه مساراتها الفكرية والاجتماعية، وتعزيز حضورها الحضاري عبر مختلف المراحل.

غير أن الواقع المعاصر يفرض تحديات جلية لا تعود إلى تراجع الكفاءات أو قلة المؤثرين في التخصصات المختلفة، بقدر ما تكمن في غياب التوافق بين الثقافة الفردية والعمل المؤسسي القادر على استيعاب الرؤى وتحويلها إلى مشاريع مستدامة على أرض الواقع.

ومن ثم، فإن السؤال الأساسي الذي يواجه النخبة المثقفة اليوم يتجاوز البحث عن أماكن وجود المثقفين؛ فالجامعات تخرج آلاف المتخصصين، وتعج المحافل الثقافية بالكتاب والمحللين.

ولكن المحك الحقيقي يبقى دائما: كيف يستعيد المثقف قدرته على تشكيل الوعي العام، وتوجيهه نحو البناء العقلاني؟

في هذا السياق، تتجلى المفارقة اليوم في الاتساع الهائل لحجم المعلومات المتاحة عبر وسائل التواصل والتطبيقات الرقمية، وفي انحسار النقد الذي يحول البيانات المتناثرة إلى وعي ناضج ومشروع حضاري متماسك.

ففي المراحل السابقة للمثقف السعودي، كان النقد والحوار ركيزة أساسية داخل المجتمع، يناقش قضايا التعليم والتنمية والعدالة الاجتماعية والثقافة، ويساهم في تقديم تصورات تدعم مسيرة التطوير الإداري والاجتماعي.

أما اليوم، فقد انحرف جزء كبير من المثقفين نحو الاكتفاء بالتفرج والمراقبة، فيما انغمس البعض في التحليل السطحي للأحداث بعد وقوعها، بدلا من التنبؤ بها وصناعة الحلول.

وبالتالي، تتطلب المرحلة استباق آفاق المستقبل، والمشاركة الفاعلة في توجيه دفة التنمية قبل تفاقم التحديات.

علاوة على ذلك، لا يمكن فصل مسألة الدور الثقافي عن طبيعة التحولات التي تشهدها المملكة، فالمثقف يعمل ضمن بيئة حضارية وسياسية واجتماعية تحدد أطر حركته، وتتيح له المساحات الممكنة للإبداع والإنتاج.

وفي ظل هذه الطفرة الشاملة والتحول المتسارع، أصبحت الحاجة ماسة إلى إعادة تعريف وظيفة المثقف، لاسيما أن المؤسسات الثقافية باتت تتبنى رؤى استراتيجية طموحة، وهذا ما يجعل أداءه قاصرا ما لم يتكامل مع المبادرات الوطنية الكبرى.

فاكتفاء المثقف بالأطر التقليدية أو التردد في مواكبة المشاريع التطويرية يضعف تأثيره، وينتهي بالعمل الثقافي إلى مجرد أداة لتبرير الأمر الواقع، أو الانعزال في أبراج عاجية بعيدة عن هموم المواطن اليومية ومتطلبات النهضة الشاملة.

ولا تقف التحديات عند البيئة الثقافية المحيطة بالمثقف، وإنما تمتد إلى بنية النخب الثقافية التي عانت في كثير من الفترات من التشتت والميول الفردية.

ونتيجة لذلك، أدى الانقسام الحاد إلى حجب إمكانية تقديم مشاريع ثقافية جامعة تتجاوز الخلافات الشخصية والتوجهات الفكرية الضيقة.

ورغم أن المشهد أضحى يضم أصواتا متعددة، إلا أنه يفتقر إلى التلاحم المستمر القادر على بناء رؤى معرفية مترابطة.

وهنا يثبت التاريخ أن الأفكار العظيمة لا تستمر ولا تثمر إلا إذا احتضنتها منظومات متكاملة؛ فالأمم التي حققت تحولات نوعية لم تعتمد على عبقرية المثقفين فحسب، وإنما بنت الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات الإعلامية والاستشارية، وجعلت أفكارهم جزءا مدمجا في التطبيق وصناعة القرار الوطني.

بالتوازي مع ذلك، لا يمكن التغاضي عن دور المنظومة التعليمية في تشكيل هذا الواقع، فالتعليم يتجاوز حدود تلقين المناهج أو منح الشهادات الأكاديمية، ليكون العملية الأساسية في بناء العقل المستقل القادر على التحليل والمفاضلة والإبداع.

ومتى ما تحولت العملية التعليمية إلى وسيلة للحصول على الوظيفة فقط، يفقد المثقف قيمته في صقل الشخصية الوطنية، والإسهام في تطوير المجتمع.

ذلك لأن المجتمع الذي لا يتمرس على طرح الأسئلة العميقة وفحص المفاهيم السائدة، يصبح أكثر عرضة للتأثر بالخطابات العاطفية والمستوردة التي تقدم حلولا مختزلة لقضايا ثقافية وفكرية معقدة.

ومن هذا المنطلق، يمثل تطوير التعليم حجر الزاوية في إعادة الاعتبار للثقافة والفكر الرصين.

وقد ترافقت هذه التحولات مع الفورة الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي أعادت هيكلة الصراع على الرأي العام؛ فلم يعد المثقف أو المفكر يمتلك المنبر الحصري أو القناة الوحيدة لطرح الأفكار، وأصبح يقف في مضمار مفتوح ينافس فيه ملايين الأصوات والتطبيقات ذات المضامين السريعة.

ورغم أن هذه البيئة المفتوحة توفر فرصا غير مسبوقة لنشر الثقافة وتوسيع دائرة المشاركة، إلا أنها سمحت في المقابل بتصدير السطحية والتفاهة والخطابات الملغومة المعدة للتداول السريع.

ولهذا السبب، يكمن التحدي الأكبر أمام المثقف والمفكر اليوم في صياغة أفكاره العميقة بلغة سلسة، وتوظيف الأدوات الحديثة للوصول إلى أفئدة الناس وعقولهم، دون التنازل عن عمقه الفكري والثقافي الرصين.

واليوم تتطلب المرحلة التي نعيشها صياغة عقد جديد بين المثقف والمشروع الوطني، فلم يعد يقبل منه أن يكتفي بنقد الواقع أو النواح على الماضي، وإنما المأمول منه هو الانتقال نحو إنتاج البدائل العملية، وربط فكره بمتطلبات النهضة المستدامة والابتكار وصناعة الاستراتيجيات العامة.

فالمنطق يؤكد أننا لا نحتاج اليوم إلى نخب ثقافية تكتفي بتشخيص الواقع والتحديات، بقدر حاجتنا إلى صناع أفكار وقادة رأي يشاركون في بناء المستقبل، ويؤمنون بأن قيمة المثقف تقاس بمدى قدرته على تحقيق الأثر الإيجابي في حياة الناس.

فليست مشكلة المثقف السعودي غياب المواهب ولا نقص الإمكانات، وإنما تتمثل في تحدي الانتقال من العمل الفردي إلى الشراكة، ومن النقد لمجرد النقد إلى المساهمة في نهضة الوطن، وتحويل الأفكار إلى منجزات تسهم في دعم الحركة الثقافية وتعزيز مكانة المملكة.

فالثقافة التي تعجز عن التحول إلى طاقة اجتماعية مؤثرة تبقى حبيسة الكتب والندوات المغلقة، بينما المجتمع الذي يستثمر في بناء العقول، ويمكّن نخبه الفكرية الواعية، هو وحده الذي يملك أدوات الاستدامة والريادة في عالم يتشكل من جديد بالقوة والفكر والحكمة والثقافة.

ومن هنا، فإن مستقبل المثقف السعودي لن يقاس بعدد ما يكتبه من مقالات أو ما يقدمه من محاضرات، وإنما بقدرته على صناعة الأثر الذي يبقى حاضرا في المجتمع، وفي ذاكرة الأجيال، وفي مسارات التنمية الوطنية.

فالأفكار الحقيقية لا تنتهي عند لحظة نشرها، بل تبدأ قيمتها عندما تتحول إلى مشروع قابل للتطبيق، أو مبادرة ملهمة، أو ممارسة تغير الواقع نحو الأفضل.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب من المفكرين والمثقفين أن يكونوا أكثر انفتاحا على جميع الاتجاهات، لأن التحديات الحديثة لم تعد ثقافية أو اقتصادية أو تقنية أو سياسية أو أمنية أو عسكرية بمعزل عن بعضها البعض، وإنما أصبحت قضايا متشابكة لا يمكن التعامل معها بعقلية مغلقة.

ولهذا فإن التكامل بين الثقافة والاقتصاد والتقنية والإعلام والتعليم والسياسة والأمن أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر، لأن صناعة المستقبل لم تعد نتاج مجال واحد، وإنما ثمرة تكامل المعارف، وتلاقي الخبرات، وتوحيد الجهود نحو غاية وطنية مشتركة.

ومن جانب آخر، فإن المحافظة على الهوية الوطنية في ظل الانفتاح العالمي لا تتحقق بالانغلاق أو رفض المتغيرات، وإنما بامتلاك الثقة بالنفس، والقدرة على استيعاب التجارب الإنسانية الأخرى، ثم إعادة إنتاجها بما ينسجم مع قيم مجتمعنا وثوابته ومصالحه.

وهذه المهمة لا ينهض بها إلا مثقف أو مفكر يمتلك رؤية واسعة، وعقلا تحليليا، وإحساسا عميقا بالمسؤولية الوطنية، يدرك أن المحافظة على الهوية لا تتعارض مع الانفتاح، وإنما تزداد قوة كلما ارتكزت إلى الثقة والتفرد وحسن الاختيار.

وعندما يتحقق هذا التوازن، يصبح المفكر والمثقف والمواطن شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل، لا شهودا على أحداثه، وتتحول الثقافة إلى قوة ناعمة تسهم في ترسيخ مكانة مملكتنا، وتعزز قدرتها على مواصلة مسيرة النهضة في شتى المجالات بثقة واقتدار.

وعندها يصبح الاستثمار في العقول، والطاقات البشرية، والفكر، والثقافة، أحد أعظم الضمانات لاستمرار ازدهار الوطن وريادته عبر الأجيال.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.