كُتاب الرأي

ثقافة الحروب وولاءات جنودها

ثقافة الحروب وولاءات جنودها

محمد سعد الربيعي

منذ الأزل، والحروب كانت وما زالت تدور، ومنذ بدء الخليقة على وجه الأرض بين الأفراد والأشخاص، كتجمعات متقاربة أو متباعدة ومتنافرة، وكانت تلك الحروب تكبر على مر العصور حتى امتدت إلى فئات وتجمعات كبيرة ضد أخرى، أو كنتيجة حتمية لاختلافات مذهبية وعرقية ودينية، وكذلك سياسية بين كيانات مختلفة، لفرض سطوة الجانب القوي وتحكمه في الإقليم الذي تعيش فيه تلك المكونات المتحاربة. وتطور الحال لتنتقل الحروب من الإقليم إلى تجمعات أكبر وأقاليم أوسع، متمثلة في وجود دول وقارات، لتنتج حروبًا مميتة يمثل فيها الفوز والخسارة هلاك أقوام وحياة آخرين، وبالتالي احتلال الإقليم المناهض والسيطرة على الحجر والبشر فيه لصالح الجانب الآخر المنتصر. وهكذا توسعت الحروب وكبرت حتى تحاربت تلك الإمبراطوريات التي كانت تسيطر على العالم، كالرومانية والبيزنطية وخلافها، إلى أن جاء الإسلام وهزم كل تلك الممالك والإمبراطوريات، وأصبحت الدولة الإسلامية في عهدها الأموي أكبر إمبراطورية حكمت العالم.

بالطبع، ما يصاحب تلك الانتصارات هو الولاء للقيادة من تلك الجيوش بشقيها العسكري والسياسي، وما يثخن فيها هي الخيانة التي تؤدي للهزائم في ساحات المعارك، والخيانة لها أوجه متعددة لا يتسع المقال للتطرق إليها الآن.

ولعلي في هذه المقدمة، التي ستكون مدخلًا لموضوع عنوان مقالنا المتمثل في ولاء الجيوش لقياداتها السياسية والعسكرية، ويندرج ذلك أيضًا على القيادات العسكرية التي تقود تلك الجحافل من الجيوش والتزامها بالتوجه السياسي الذي تمثله قيادة الدولة السياسية، ناهيك أيضًا عن القيادة السياسية التي توجه القيادات العسكرية بما يؤدي ويقود إلى انتصارات ميدانية، ينتج عنها في النهاية تحقيق الهدف السياسي الذي تروم إليه تلك القيادة، وبالتالي يتحقق الأمن والسلام لإقليم الدولة المسيطر عليه، وتنتصر على أعدائها.

وفي تاريخنا الحديث الحالي، تدور ودارت حروب كبيرة وكثيرة في سوريا والسودان ولبنان واليمن وإيران حاليًا، وقلَّ أن نرى أو نجد خيانات كبيرة كما يحدث في اليمن، وكذلك في العالم الآخر، أوكرانيا وروسيا، كحرب بين قطبين كبيرين في العالم.

واليمن، للأسف، حالة خاصة، وسيكون محور مقالنا انهزاماته غير المعقولة أو المتخيلة لعاقل في هذه الحروب، وكيف تدور الحرب في ساحات هذه الدولة التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، ومُلئت بالخيانات العظمى التي عادة ما يُقدَّم قادتها للمحاكمة عن أسباب ودواعي تلك الانكسارات، وربما للمقاصل في جبهات القتال لمحاكمتهم عن ذلك. ولأن جبهات القتال تدوم كدوام الجبال الراسيات في حال مصداقية القيادة فيها، سواء السياسية أو العسكرية، ومن المحال انهزامها أو انكسار جبهاتها القتالية، حتى ولو بلغت فيها بعض الخسائر البشرية أو التجهيزية القتالية، عندما يكون الولاء والاعتماد على الله ومصداقية الولاءات هو ديدن تلك الجيوش المخلصة لأوطانها، التي تؤدي الواجب عليها لتحفظ حق دولتها، وتقاتل حتى تنتصر مهما بلغت التحديات التي قد تواجهها في ميادين وساحات القتال. وهذا ما يُعد منعدمًا وغير موجود في جبهات القتال في اليمن بين قياداته المختلفة السياسية والعسكرية على مر العصور، ومنذ استقلاله عن الملكية عام 1962م.

لن أعود للخلف بعيدًا لأتحدث عن انهزامات اليمن وخيانات قياداته بشقيها السياسي والعسكري المتكررة، ولعل الحديث يطول لو عرجنا فقط على عهد عفاش، علي عبدالله صالح، الذي ولغ في دم الخيانات هو ومن معه من قياداته وأبنائه، أحمد الهارب في الإمارات، الذي لم يستطع أن يعرف مكان قبر والده ليدفنه ويقيم العزاء له، لأنه شريك والده في الخيانة عندما سلّم الحرس أو الجيش الجمهوري لعبدالملك الحوثي في صنعاء نكايةً في عبد ربه منصور، الذي استلم القيادة من والده وبقي مكتوف الأيدي من دولة اليمن العميقة المتمثلة في (الزيدية وحزب الإصلاح) حتى توفي رحمه الله. والآن يلاحظ كل متابع لحالة اليمن ما تفعله هذه الشرذمة الحوثية من التنكيل في اليمن وأهله بسبب عفاش وابنه أحمد وابن أخيه طارق، الذي لم يجف حبر هذا المقال من خيانته الأخيرة، رغم ما يملك من قوة لا يمكن بأي حال أن ينهزم فيها أي قائد عسكري أمام ميليشيات لا تملك سوى سلاحها الفردي وموتوسيكل يتنقل به أفرادها بين الجبهات! ثم حدث ما حدث لليمن وقياداته السياسية التي خانت العهد بعد ذلك، ولعبت كما كان يُقال عن عفاش، الذي سرق هذه المقولة من سردية الدولة العميقة (اللعب على رؤوس الثعابين)، وسارت (الدولة العميقة) على طريقة هذه المقولة دون أن تأبه بمستقبل اليمن وشعبه المكلوم، الذي يُعد الآن من أفقر شعوب العالم، بعدما سُرقت مدخراته ومساعدات العالم له، وبالذات ما تقدمه المملكة للشعب والجيش وكل شيء في اليمن من مساعدات لا تعد ولا تحصى!

ما حدث في الحرب الأخيرة التي استبشرنا خيرًا في بدايتها، عندما رأينا الطيران اليمني يستهدف ويقصف بعض مقاتلي الحركة الحوثية وتجمعاتهم، فاعتقدنا أن الطريق أصبح مبرحًا لتحرير صنعاء، وطرد الحوثة من مأرب التي يقبع فيها سلطان العرادة منذ أكثر من عشر سنوات، ولم يحرك فيها ساكنًا أو يتحرك من مكانه، رغم كل الهالة التي يحيط نفسه بها. وتناسوا أن الشعب يعرف أن والده كان أداة زيدية عندما كانت الإمامة تحكم اليمن، ناهيك عن طارق وجيشه في الساحل التهامي والحديدة بشكل عام، الذي يسير على خطى عمه، فقد امتلك كل شيء لتحرير هذه المدينة الخالية من المذهب الزيدي، الذي لا يريد تحرير صنعاء، وإنما توجيه بندقيته لاحتلال عدن وإعادتها لسيطرة الحوثيين! وكذلك ما حدث في الجوف من مسرحية هزلية كبيرة أمام أعين الشرعية ورئيسها العليمي، قادها فدغم وجمع شتات القوم من كل مكان، ولما يزيد على أربعة أشهر، دون أن يُستغل ذلك التجمع، وبعدها رجع لبيته (منزله) في الجوف، وترك تلك الجموع الغفيرة التي ضحك عليها بعد أن أخذ ما أخذ نتيجة خيانته التي لم تكن الأولى، فقد سبق لفدغم أن سلّم لواءً كاملًا للحوثيين بعدده وعتاده!

وفي السياق ذاته، فإن إعادة احتلال الحديدة من الحوثيين، وخاصة بعد احتلال المخا ومدينة ذوباب والمحافظات المجاورة لها المطلة على باب المندب، تُعد القشة التي قصمت ظهر البعير (الشرعية)، كما تُعد فضيحة عسكرية كاملة الأركان، عندما سُلّمت مدينة تلو أخرى دون أن تُطلق رصاصة واحدة من قوة طارق، رغم الفارق في العدة والعتاد بين المحتل الحوثي وجيش طارق، الذي يملك قوة دفاعية وصاروخية لا تُقارن إطلاقًا بما لدى الحوثة، وإنما تضاهي قوة دولة! ولأن إعادة ما فقدته الشرعية في ساحل تهامة من مدن ومحافظات وجزر سقطت في ساعات متتالية أصبحت من المحال، خاصة في ظل ما يعانيه اليمن من اختراقات حوثية لكل جبهات القتال التي تسلّم سلاحها يدًا بيد للحوثة. وأصبحت الحركة الحوثية تمسك مضيق باب المندب بتلابيبه، وهي لن تفرط فيه بعدما استطاعت الوصول لهدفها، وهو المراهنة على باب المندب المحتل مع إيران التي راهنت وانتصرت في هرمز. وإن إعادة تحرير المخا وما جاورها نتيجة هروب طارق وقواته بإيعازات خارجية تتطلب جهدًا عسكريًا كبيرًا، وهو ما لم يتوفر للشرعية في هذه الظروف العسكرية المشينة التي اعتمدها طارق وشلته المليئة بخياناتهم الزيدية المتكررة والداعمة للحركة الحوثية، ناهيك عن عمالة طارق وقياداته المنصبة منه وذات العلاقة بالحركة الحوثية، والتي دائمًا تعلن انشقاقاتها وتسليم أسلحتها للحركة دون سؤال من قيادة الشرعية السياسية، أو أن تعمل تغييرًا جذريًا في قيادة طارق لأهمية الساحل وإقليم الحديدة بشكل عام. وهذا ما تكرر كثيرًا وعلى جبهات مختلفة قادتها قيادات ذات ولاء زيدي إصلاحي، يعرفها طارق وغيره من الشرعية حق المعرفة، وهي تلك القيادات لا تريد لليمن أن يستقل وتتحرر عاصمته صنعاء المحتلة، وما زال في عقلية كل تلك القيادات والدولة العميقة في اليمن إذلال كل من يحاول أن يساعد اليمن في فرض سلطة سياسية تأخذ بيده (أي اليمن) وتنجو من هذه الحركة الحوثية الخبيثة، التي لا ترى دولة اليمن العميقة في وجودها ضررًا من السيطرة على الدولة، طالما أن هذه الدولة العميقة هي من تدير المشهد في الحركة والشرعية في آن واحد، وترى أن مكتسباتها تزيد ولن تنقص تحت قاعدة كل زيدي هو حوثي، إلى أن يقيض الله رجلًا يحرر اليمن من هذا العبث المجنون الذي تمارسه هذه الدولة العميقة.

ولعل ما يؤكد مصداقية هذا الطرح الذي يظهر مدى خيانة طارق، وكذلك حزب الإصلاح الذي يقود رجاله جبهات القتال في تعز، التي انكسرت جبهاتها أمام الحوثيين عنوةً، أي برضى أولئك القادة ومن يديرهم من الحزب بقيادة الشرعية، للأسف، أن تلك الانكسارات الصورية سمحت بتوجه جحافل الجنود الحوثيين من جبهات تعز إلى المخا وإقليم الساحل الغربي للحديدة بشكل عام، دون أن تلقى أي مقاومة تمنعهم من الوصول للحديدة. وكان من أهداف هذا التخاذل الإطباق على العمالقة وقوة الواجب وإبادتها، وهو ما أدركته قيادات هذه القوة التي قرأت هذا المشهد الخبيث، وبالتالي أدى هروب طارق وقواته إلى احتلال هذه المناطق الكبيرة التي خلت من أي مواجهة عسكرية، حتى أحكمت الحركة السيطرة على باب المندب، وشكلت ثنائيًا خطيرًا مع إيران، أدى بالتالي إلى إقفال المضيقين وحرمان دول الخليج، بالذات، من مورد اقتصادي يهم العالم بأجمعه.

وكختام لهذا المقال، لا بد أن نقول إن دولتنا المملكة العربية السعودية لم تقصر مع اليمن طوال مر هذه العصور، وما يمارسه بعض المرجفين اليمنيين ويوجهونه من سهام عليها ما هي إلا محاولات لتبرير تلك الانهزامات، ولإبعاد ذلك الفشل الذي أحدثته قيادات الإصلاح من هروب من ساحات المعارك. وإن ما يحدث الآن من تخادم بين قوى مختلفة في اليمن والعراق وإيران وغيرها لم يعد أمرًا خافيًا على أحد، وهو محاولة للوقوف في وجه نهضة المملكة ودورها الريادي في العالم، والتأثير على رؤية سيدي ولي العهد التي ستنقل المنطقة بشكل عام، وليس المملكة وحدها، إلى مصاف الدول في العالم. وهي محاولات ستُدحض بمشيئة الله وحده، وستستمر المملكة في تقدمها حتى لو حاولت كل تلك القوى التأثير على توجه المملكة وقيادتها السياسية، بما يحقق الهدف الأسمى لرؤية سيدي ولي العهد، يحفظه الله. ودولتنا، بإذن الله، منتصرة ومنصورة، ولن يقف أحد في وجهها ووجه ما تصبو إليه.

كاتب رأي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.