كُتاب الرأي

(ساعات ترامب الأخيرة مع الإيرانيين)

(ساعات ترامب الأخيرة مع الإيرانيين)

محمد سعد الربيعي

تتداول الوسائل الإعلامية الدولية والعربية ما توصلت إليه باكستان مع إيران وموافقة الأخيرة على شروط إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران، واقترابها من الاتفاق على حل الخلافات العالقة لها مع أمريكا.

تدل المؤشرات أن الحل بات قريبًا، وأن ترامب قد يوافق على المسودة التي تم وضعها، بموجب أن تحصل أمريكا على صفقة توقف الحرب، ويتم بعد ذلك الاتفاق على كيفية نقل اليورانيوم من طهران إما إلى روسيا أو الصين أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مع فتح مضيق هرمز.

حقيقة أن السيد ترامب فقد مصداقيته في التعامل مع هذا الملف الخطير من جوانب كثيرة، ولعل أهمها هي تكراره لتصريحات لوسائل إعلام مختلفة عن هزيمته لإيران والقضاء على بحريتها وحرسها الثوري، وانتقاله إلى إبادتهم وهكذا دواليك، وهو ما سبق أن أشرت له في مقالات سابقة عن هذا التردد وما أدى إلى نتيجة عكسية استفادت منها طهران، وتمادت في اختلاق قضايا خلافية مثل مضيق هرمز، ونقل الحرب من القضاء على حكومة إيران إلى توسل ترامب بإعادة فتح المضيق.

كما استطاعت إيران تأجيل الحرب وإغراق أمريكا في تفاصيل خرجت عن الهدف الرئيسي لها، بل استطاعت طهران تغيير البوصلة الأمريكية وأدخلتها في معمعة سياسية تورط فيها ترامب شخصيًا، حيث أصبح بين مطرقة طهران وسندان الداخل الأمريكي الذي فقد ثقته في ترامب وسياسته المتأرجحة في التعامل مع هذه المواجهات الدولية التي دخل فيها منذ بداية حكم فترته الثانية.

ما يحدث من نتائج قد يتوصل لها المبعوث الباكستاني مع طهران، وهي ربما ما يوحي ببعض النتائج الإيجابية للولايات المتحدة الأمريكية من قبول إيران للشروط الأمريكية، وهي في واقع الحال هروب إلى الأمام للأمريكان، وذلك لخشيتهم من المستقبل وتقلب الأمور والوقت الذي يراهن عليه الجانب الإيراني، وكذلك الوضع الذي تجيد طهران التعامل معه، ومن جانب آخر وهو إرخاء رأس طهران للعاصفة، وهي سياسة تنجح فيها وتديرها بإتقان لكي لا تخرج مهزومة. ولو نظرنا لحساب المكاسب والخسائر لوجدنا أن طهران هي من كسبت الحرب رغم تضررها منها، حيث استطاعت كما أشرت إغراق أمريكا في التفاصيل التي بداخلها الشيطان الذي تعرف طهران كيف تتعامل معه، وكيف كانت أمريكا تسعى لتغيير النظام، والآن تتوسل في فتح المضيق.

إذاً هل ما سيأتي بعد جلوس الطرفين الأمريكي والإيراني مع بعضهما البعض سيكون اتفاقًا ناجحًا للطرفين، وأن ترضخ إيران للشروط الأمريكية من تسليم اليورانيوم وفتح المضيق؟ وهل سيشمل الاتفاق على المدى البعيد إيقاف شبح الحرب وأن تقوم إيران بقطع علاقاتها مع ذيولها في المنطقة، والانسحاب من لبنان وترك العراق واليمن لتعيش هذه البلدان في سلام دون تدخلات إيرانية؟ وهل هناك ضمانات لدول الخليج في أن تحترم إيران سيادة هذه الدول وتنهي الفوضى التي يشعلها الحرس الثوري من خلال بث جواسيسه وعملائه وتوظيفهم في هذه الدول، أم أن أمريكا ستكتفي فقط بأخذ اليورانيوم وتفر هاربة إلى الأمام كما أشرت؟

هذا ما أتوقعه، خاصة إن بقيت اللقاءات بين الجانبين الأمريكي والإيراني، حيث عُرف أنه ليس لدى الأمريكيين الخلفية الجيدة عن قدرة إيران ومبعوثيها في دراسة التفاصيل التي يختلقها الجانب الإيراني، والتي تتشابه مع جلد الحية الرقطاء الأملس بينما في جوانبه السم الزعاف، وهو ما سينطلي على الأمريكيين ويعطون موافقتهم على ذلك الطرح الإيراني دون أن يعلموا أنهم وضعوا السكاكين على رقابهم، وبالتالي تنجح إيران وتسقط أمريكا كما سقطت في اتفاقها مع الدول 5+1 بقيادة جون كيري وسيئ الذكر أوباما.

ربما من يعرف تلك الألعاب ويستطيع التفريق بينها وبين المصداقية في حل الخلافات بين الجانبين الأمريكي والإيراني هم الإسرائيليون الذين لديهم القدرة في فهم التلاعب الإيراني ودس السم في العسل، وهذا ربما ما قد ينجد الجانب الأمريكي في هذا الاتجاه دون الدخول في الوحل الإيراني والذهاب بعيدًا عن هدف الحرب الرئيسي.

كان أحد أسباب الحرب هو إنهاء التوسع الإيراني في المنطقة، والهدف الرئيس هو تغيير نظام حكم الملالي وولاية الفقيه، وكذلك القضاء على البرنامج النووي الإيراني، ولكنه يبدو الآن أن أمريكا سترضى بأقل الشروط، وأن طهران أصبحت تمتطي صهوة الجواد في هذه المحادثات العرجاء التي قتلها ترامب شخصيًا من خلال تردده الذي صب في نجاح إيران لتسير المحادثات وفق رغبتها وهدفها، وساعدها في ذلك الجانب الباكستاني الذي رمى ثقله لتنجح إيران، وهي بالتالي ستبقي على تمددها السابق في إثارة الفوضى ونشر الكراهية في المنطقة، والمراهنة على مضيق هرمز الذي سيصبح مثل بيضة القبان التي تثيرها إيران بين الحين والآخر، وبالتالي ستصل لما تهدف إليه من خلال التأثير على المضيق وارتهانه، وربما نرى في المستقبل فرض إيران لشروطها في هذا المضيق مع فرض ضريبة لكل السفن العابرة له كنتيجة للتساهل الأمريكي وعدم قدرتهم على التفريق بين سوء وحسن النية في مبعوثي طهران.

الشاهد من المقال أن إيران ستنجح في قيادة هذه المفاوضات طالما وأنها بدأت بمذكرة، وستكون واشنطن هي الخاسرة في حالة ذهابها لهذه المحادثات مع إيران التي تعرف كيف ستصل لتحقيق أهدافها، خاصة عند قناعة واشنطن بإنهاء هذه الحرب التي بدأتها دون أن تصل إلى الهدف المرجو منها.

كاتب رأي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.