(الهرولة الأمريكية لخطب ود طهران)

(الهرولة الأمريكية لخطب ود طهران)
محمد سعد الربيعي
تطرقت في الكثير من المقالات التي نشرتها صحيفتنا الغراء للمحادثات الأمريكية الإيرانية، والتسرع الأمريكي في محاولة الوصول لحل حرب الـ38 يوماً، والتي يبدو أنها أقضّت مضجعها رغم انتصارها (أمريكا) فيها من خلال التدمير الذي لحق بإيران ومنشآتها النووية والبترولية، والحصار الذي أحكمته أمريكا على الموانئ الإيرانية.
وذكرت في تلك المقالات أن تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب المتوالية عن انتصاره، وإشاراته إلى نهاية إيران وتدميرها.. إلخ، وما ذكره عن هزيمة إيران الساحقة وقوة أمريكا في مواجهتها لإيران، كانت أحد الأسباب، بل أهمها، التي استغلتها إيران ودرستها وحللتها، واستطاعت من خلال ذلك الخروج بنتيجة هي البناء عليها في هزيمة أمريكا، حيث نقلت حربها من طهران وتغيير حكومة آياتها لخلق قضية أخرى، وهي إغلاق مضيق هرمز، وعلى إثر ذلك انتقل الاهتمام الأمريكي المتسرع لحل قضية المضيق، وتخلى عن أهم أسباب نشوب الحرب، وهو تغيير حكومة مجتبى، وقبله والده علي خامنئي.
لعل ما يثير الشكوك هو ماذا ستسفر عنه الستون يوماً القادمة، التي أرى في هذا المقال أنها ستكون حبلى بالمفاجآت، وخاصة فيما يتعلق بالطرف الإيراني وزيادة ضغطه على أمريكا التي تواجه هذه الأيام مواقف متباينة من دول عدة، ولعل منها دول شرق أوسطية، وأوروبية، وكذلك مواقف مستفزة من إسرائيل التي لم يعجبها هذا الاتفاق الأمريكي الإيراني، وما قد يتخذه نتنياهو ولوبيه في الولايات المتحدة الأمريكية من تصرف وتخطيط لإجهاض هذا الاتفاق. ولعل إسرائيل محقة في ذلك، حيث هي الأقرب لفهم الإيرانيين وقدرتهم على التماهي بين موقف وآخر تحت ذريعة استخدام التقية التي تستغلها إيران في كافة جوانبها السياسية، ودهشتها من الهرولة الأمريكية وارتمائها في حضن إيران التي تعدها الشيطان الأكبر! وهي بذلك (إيران) تستطيع التنقل ما بين التماهي ومواجهة الحقيقة في ظل دهاء سياسي بارع يقوده فريقها السياسي في هذه المحادثات الشائكة التي سقطت فيها أمريكا دون أن تشعر بعمق هذا السقوط ما لم تتدخل مهلة الستين يوماً ليصحو الجانب الأمريكي من قوة وهوة السقوط الذي يقوده ترامب ونائبه فانس، الذي يبدو أنه هو الآخر يفتقر إلى معرفة إيران ودورها الخطير في المنطقة.
ولعل ما يستدعي الانتباه والتساؤل أيضاً هو كيفية موافقة الفريق السياسي الأمريكي، كوشنر وفريقه الآخر، حول ربط ما يجري في لبنان بما يجري من حرب في مضيق هرمز، حيث نجح الإيرانيون بنقل حرب طهران ومحاولة إسقاطها إلى حرب مضيق هرمز وفتحه! نعم، نقول: ماذا عن لبنان وحكومته المعترف بها دولياً أمام هذا الاتفاق الذي رهن دولة ومصيرها في إعطاء الحق لإيران ووكيلها (ذيلها) حزب الشيطان في التدخل في لبنان وربط مصير دولة (لبنان) بحرب إيران ومواجهتها مع إسرائيل في حرب لا ناقة ولا جمل فيها للبنان! نعم، إنه مما يثير التساؤل عن هذه الكيفية والسقوط الأمريكي في هذا الفخ، وهل نتج ذلك عن دهاء إيراني؟ أم محاولة خروج أمريكي من هذه الحرب وبأقل الخسائر؟ وهل هذا يفسر التراجع الأمريكي المخيف، بل الانهزامي، أمام دولة لن تستطيع أن تواجه أمريكا؟ وما هي خشية أمريكا من ذلك فيما لو تمت استمرارية الحرب التي كان الجميع يتوقع فيها سقوط نظام طهران وتغييره، وبالتالي يتنفس العالم الحرية وينتهي هذا النظام الإرهابي الاستبدادي في العالم؟
من الغريب أن نرى هذا الإصرار الأمريكي الاستسلامي ومحاولته إنجاح هذا الاتفاق مع إيران، رغم أنها لم ولن تلتزم بالبنود التي تم نشرها ووقع عليها الطرفان كمذكرة وليست كاتفاق! وسوف تستغل إيران هذه المذكرة وتفسرها على ما يحقق أهدافها في ظل هذا الغياب الأمريكي الغريب! وربما يستطيع الإيرانيون الآن نقل المحادثات من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان وحزب الشيطان، وعندها سيفقد الأمريكيون توازنهم ويدخلون في متاهات إيرانية لن يخرجوا منها منتصرين. والتساؤل الذي يقودنا لهذا الجانب هو: أين قدرة الاستخبارات الأمريكية على الحؤول دون السقوط في هذه المستنقعات الوحلة والدهاليز الضيقة التي أدخلتهم فيها طهران وحرسها الثوري وقاليباف وعراقجي؟
كما لا يفوت هنا الإشارة أيضاً إلى الضغوط والمحاولات الباكستانية على أمريكا لإنجاح هذا الاتفاق، رغم أن الدور الباكستاني كان يُعد من أحد أسباب نجاح الاختراقات الإيرانية للوفد الأمريكي، وكذلك تعدد الوسطاء، حيث تدخلت قطر مع الباكستان، وأبدت مصر أيضاً، وهو ما جعل الإيرانيين يستنتجون ضعف الموقف الأمريكي من خلال أولئك الوسطاء، وربما رسائلهم المتباينة في الطرح ومحاولتهم الوصول إلى حل يوقف هذه الحرب.
إن هوس الرئيس ترامب بهزيمة غريمه الأسبق أوباما هو في نظري أحد سقطات ترامب، مع تصريحاته المتوالية وتردده السياسي، بل افتقاره لكيفية إدارة المعركة، حيث تولى كل شيء فيها وأبعد ذوي الشأن في هذه المواجهة العسكرية. وشكلت تصريحاته (ترامب) عن أوباما قضية ثنائية مع قضية الحرب الإيرانية التي أدت إلى انهزامه، وبالتالي سيكون لتخبط ترامب وعدم فهمه وفريقه في المحادثات مع الإيرانيين أثر سيئ ليس لدول الشرق الأوسط فقط، بل لكل دول العالم، حيث استطاعت إيران أن تتمسك بقوة بخطام الوضع في المنطقة، وبالذات دول الخليج، والتحكم بمضيق هرمز من خلال بنود تميل بشكل كبير لصالح الجانب الإيراني الذي سيستطيع تأطيرها لما يحقق الهدف الإيراني في المنطقة والعالم من خلال مفاوضات الستين يوماً! وستستخدم إيران مضيق هرمز كفزاعة للعالم كما استخدمت القاعدة وداعش وذيولها في المنطقة، ونشرها للإرهاب ودعمه وإيجاد الملاذات الآمنة له، وفي النهاية ستصل إيران لتحقيق هدفها من وضع رسوم ربما تكون، كما ورد في بعض التحليلات، كرسوم خدمة، ولكنها ستصعدها لاحقاً لتصل إلى ملايين الدولارات، وستكون داعمة لهذا النظام في برامجه النووية والصاروخية، وبالتالي تهديد العالم وابتزازه بخلق قضايا ثانوية لتحقق إيران أهدافها التخريبية والتدميرية في ظل سردية أمريكية غريبة.
بقي أن نعرج على زيارة وزير خارجية أمريكا لمنطقة الشرق الأوسط المنتظرة، وما هو الهدف منها؟ وهل هي محاولة لفرض مبلغ الـ300 مليار دولار لإيران على هذه الدول، ودونما أن تُشارك أو يؤخذ برأيها في البنود الأربعة عشر التي وضعها فريق ترامب واستغلتها إيران وقلبت الوضع فيها وأطّرته بما يخدم توجهاتها وتحقيق أهدافها؟
وكخاتمة للمقال، يقول المثل: ما حك جلدك مثل ظفرك، وهو ما يجب معه أن تتولى دول المنطقة حماية نفسها بنفسها، وبناء قدراتها العسكرية لحماية أنظمتها من التدخلات الأجنبية التي لا يؤمن خيرها وشرها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحمي دولتنا المملكة العربية السعودية، ويحفظ ولاة أمرها وينصرها، إنه سميع مجيب.
