كُتاب الرأي

(دول الخليج وإيران)

(دول الخليج وإيران)

محمد سعد الربيعي 

منذ بداية الثورة في إيران، وتغير نظامها من الملكية الشاهنشاهية إلى حكم الآيات وولاية الفقيه، أي منذ مجيء الخميني وإيران ودول الخليج تعيش على صفيح ساخن، حيث بدأ بحربه مع العراق التي استمرت لما يقارب الثماني سنوات راح ضحيتها مئات الآلاف من الجنود والضباط الأبرياء من البلدين، وخاصة من إيران التي كان يُساق جنودها إلى الجبهات سوقاً ودون وجود أي خطط عسكرية في تلك المواجهات التي -كما أشرت- حصدت أرواح مئات الآلاف من الأبرياء، وربما قضى البعض من الإيرانيين في تلك الحرب عنوةً من نظام الخميني الذي نصب المشانق في كل ساحات إيران، وقتل الآلاف أيضاً من أنصار الشاه. وقد تردد في كثير من التقارير بأن الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، الذي لقي حتفه باصطدام طائرته في منطقة جبلية شمال غرب إيران، أنه كان وراء إعدام أعداد هائلة من المعارضين عندما كان مسؤولاً عن القضاء في ذلك العهد.
بالطبع لم تهدأ إيران، بل بدأت مع الحكم الجديد بتصدير ثورتها لخارج إيران، وكان من أهم مبادئ تصدير الثورة هو ترسيخ المد الإقليمي ليكون هدفاً رئيسياً لتلك الثورة، ووضعه في خط يتوازى مع تصدير الثورة، بل كان هو الهدف الأسمى في تصدير الثورة الإيرانية للخارج.
قامت إيران على إثر ذلك، عبر ملحقياتها الثقافية في جميع سفاراتها في الخارج، بتجنيد عشرات الآلاف من عناصرها تحت الغطاء الدبلوماسي، ووظفتهم في نشر أيديولوجيتها في كل بلدان العالم عبر تلك الملحقيات الثقافية الإيرانية، وأوعزت لتلك العناصر بالعمل على تحديد الأهداف المطلوب احتواؤها من خلال ذلك العمل، وكان على رأس تلك الاهتمامات استهداف الشخصيات المهمة في البلدان المضيفة لسفاراتها، وإغرائهم بالمال، وإعداد الترتيبات اللازمة لوضع برامج زيارات لهم لـ (قم) تمهّد لدخولهم في فكر إيران، وهكذا عملت إيران عبر هذه الملحقيات التي كان دورها أهم من دور السفارات الإيرانية في تلك البلدان المضيفة، حيث كانت تحمل المشعل الإيراني في تصدير الثورة وشراء الذمم وبذل الغالي والنفيس من أجل إنجاح هذا الدور ومدّ النفوذ الإيراني في العالم، وهو ما أدى إلى استقطاب الكثير من ضعاف النفوس الذين تبنوا هذا الفكر الجديد. وبالتالي، وُجدت طوابير طويلة وكبيرة من المستهدفين الذين وقعوا في حبائل ثورة إيران التي استطاعت الإيقاع بالكثير من أبناء دول غرب ووسط إفريقيا وشمالها، وكذلك دول شرق آسيا، وامتد ذلك النشاط لدول أوروبية وأمريكية ووصل إلى كندا وأستراليا وغيرها من دول العالم، ولا زال النظام في إيران يولي هذا الجانب كل الاهتمام ويراه أحد أهم أسباب نجاح واستمرارية ثورتهم وفق مبدأ وتعاليم ولاية الفقيه.
صاحب هذا النشاط، بل توازى معه، خلق الأذرع الإيرانية أو ما بدأ يُطلق عليه مؤخراً “وكلاء إيران” في المنطقة والعالم، حيث لم يهدأ لإيران بال في خلق هذه الأذرع ودعمها في دول المنطقة، وبدأت بالحلقة الأضعف حيث اختارت لبنان وأوجدت ما يسمى بـ “حزب الله” الذي قلب وضع هذا البلد رأساً على عقب، كما عملت على تغلغلها في العراق وبنت كيانات تابعة لها تحت مسمى الميليشيات التي تعود قيادتها لشخصيات نافذة في العراق وتأتمر بتوجيهات إيرانية حتى أصبح القرار هناك يخدم الأجندة الإيرانية بشكل كامل، ثم ذهبت لليمن الحزين الذي يمثل الحوثيون فيه ذيلاً إيرانياً استعصى حله على شرعية ودولة اليمن التي تملأها الخيانات! وهو ما هيأ الأرض الخصبة لهذا الذيل في صنعاء الذي سيطر على الحجر والبشر هناك.
كشفت الحرب الأخيرة بين أمريكا وإيران أن طهران لم تكتفِ بأذرعها في لبنان والعراق واليمن ونشاط مدّها الأيديولوجي في العالم، بل قامت بتعزيز نشاط حرسها الثوري الاستخباري في دول الخليج، والتي ربما كانت هذه الحرب -رغم خسائرها- خيراً على تلك الدول؛ حيث اكتشفت الكويت عشرات الخلايا النائمة التي كانت تستهدف قلب نظام الحكم الأميري فيها، ولم تسلم البحرين التي هي ليست بعيدة عن الكويت، وكذلك الإمارات وسلطنة عمان التي تُعد قريبة من هذا النظام هي وقطر، ولا زالت تلك الخلايا محل الإيقاف والتحقيق حيث لم يجف حبر محاولاتها الاستخبارية الخبيثة.
الشاهد من المقال هو أن إيران لن يهدأ لها بال حتى تتمكن من تحقيق أهدافها في دول الخليج، وهي لا تستعجل في ذلك بل تضع خططاً خمسينية للوصول لذلك الهدف الذي قد يتمثل بداية في تكبير أذرعها في دول الخليج، لأنه من المتوقع أن تلك الخلايا المضبوطة هي مجرد جزء بسيط من جسم ذلك الجمل، وبالتالي هي تعمل -كما ذكرت- على تكبير هذه الأذرع في المنطقة، وهي تمهّد كهدف أولي لمحاصرة أنظمة هذه الدول لتصل في النهاية لتسلّم القيادة فيها، وبالتالي تكون دولاً تابعة لنظام طهران وولاية الفقيه. ولعل أهم ما ستذهب له طهران في تحقيق هذا الهدف -الذي كما أشرت ليست إيران في عجلة من أمرها فيه ولكنها في الوقت نفسه لن تتوانى في تحقيقه وستعمل عليه وفق خطط طويلة المدى ولن تتراجع عنها- هو أنها على هذا المنوال ستدعم المكونات الموالية لها في هذه الدول، حيث هي تراهن على ذلك وتعمل عليه لتحقيق هذه الرؤية وهذا الهدف. وأوجه الدعم بسيطة وغير ملفتة لجانب هذه الدول، ولعل أهمها هو السعي لإحداث تغيير ديموغرافي بعيد المدى في هذه الدول عبر زيادة معدلات النمو السكاني لبعض المكونات حتى تتجاوز النسبة الأكثرية، ومن خلال ذلك تمهّد لهم السيطرة على مقاليد هذه الدول من سياسية وعسكرية وخلافها، وهذا يعد جانباً آخر مهماً، ثم عندئذ مزاحمة الدولة في توجهها وعلاقاتها الدولية واتخاذ سياسة تابعة لولاية الفقيه في قم.
ستعمل أيضاً إيران، إن رأت التسرع في تحقيق هذا الهدف، على تدريب خلايا ثورية وتدريب عناصر من هذه الدول على تقويض الحكم من الداخل بواسطة القيام بأعمال تخريبية، وقد يضعف نظام هذه الدول في هذه الحالة من المواجهة، فإما أن ينتهي النظام أو يقوم نظام هذه الدول في الخليج بعقد اتفاقيات مع نظام طهران لتصبح هي الآمرة الناهية فيها كما يحدث الآن في العراق.
وكختام للمقال، فكل ما قد يحدث مستقبلاً في دول الخليج هو نتيجة حتمية لنشاط إيران في المنطقة، وهو ما ستذهب (إيران) لتحقيقه وهو محاولة السيطرة على دول الخليج والاستيلاء عليها، وهو أمر لن يغيب عن أعين ملالي وآيات إيران وسياستهم في المنطقة التي قد تمتد لعقود، إلا أنه من المؤسف أن هناك مواقف خليجية تبدو أحياناً مغردة خارج السرب، رغم أن المملكة العربية السعودية عملت على تجنيب هذه الدول والمنطقة الدخول في مواجهة ربما تكون مدمرة لها وتغير خارطة المنطقة من خلال التطورات الأخيرة التي توضحت بعض الرؤى فيها، واتضح ولله الحمد سلامة وحصافة موقف المملكة منها.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.