كُتاب الرأي

(إيران وحقيقة صراعها الداخلي)

(إيران وحقيقة صراعها الداخلي)

محمد سعد الربيعي

تم تأجيل اللقاء المُزمع عقده بين الوفد الأمريكي والوفد الإيراني هذا الأسبوع في إسلام آباد لأسباب مختلفة بين الجانبين، رغم النتائج الجيدة التي عاد بها المبعوث الباكستاني (وزير الدفاع) من طهران، والتي كانت تبشر بنوع من الانفراجة في تلك المحادثات، ولكنه ما لبث أن عاد (وزير الدفاع الباكستاني) فوجئ العالم برفض الوفد الإيراني من القدوم لإسلام آباد بذريعة تضمنت طلب رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

بالطبع كان من المؤكد عدم قدوم الوفد الأمريكي لتلك الأسباب التي اختلقها الجانب الإيراني، خاصة وأن نائب الرئيس ترامب هو من سيرأس الوفد الأمريكي، وهو بالتالي ما تم تفسيره أن السبب هو عدم وجود الموجّه أو القائد للفريق الإيراني الذي كان من المزمع ذهابه للباكستان، بينما فسرت بعض الجهات الأخرى أن السبب هو لتضارب الرؤى بين الحرس الثوري والفريق المكلف بلقاء الأمريكيين من عراقجي وقاليباف، والوفد الذي يتألف مما يزيد عن ثمانين شخصية مختلفة التوجه والتخصص الإيراني!.

لازالت جهود باكستان مستمرة في محاولة تقريب وجهات نظر الفريقين، وكان منها ما يتعلق بطلب رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية أو تخفيفه، وهو الطلب الذي عاد به المبعوث الباكستاني وحاول معه إقناع الإدارة الأمريكية به (وهو أمر كان ملفتًا للنظر، وهو غرابة الطلب الباكستاني رغم معرفتهم بما تقوم به طهران من مناورات وخداع لأمريكا والعالم)، وهو أيضًا ما لم يلتفت له ترامب حسب بعض التصريحات الأمريكية لدواعٍ كثيرة، ولعل منها ما يفهمه الجانب الأمريكي من خشية إغراقهم بالطلبات التي قد لا تنتهي عند تلبية هذه الرغبة، وهو ما سيحدث فعلًا فيما لو تم تلبية هذا الطلب الإيراني والدخول في مناورات إيرانية لا تنتهي.

إن ما تقوم به أمريكا من حصار لإيران جاءها في مقتل، حيث سيتعذر عليها (إيران) استقبال ما يعزز جبهتها الحربية في هذه المواجهة، وبالتالي ستصاب بشللٍ كلي في جوانب كبيرة وكثيرة، ومنها الدعم العسكري الذي قد تستطيع إيران المناورة وتجاوزه وتستورده من الخارج بطرق وأساليب تنجح فيها طهران.

إن طبيعة السلوك الإيراني الإرهابي والإجرامي ينجح في المراوغة، خاصة لو نظرنا أن السيد قاليباف كان أحد ضباط الحرس الثوري البارزين، وربما لا زال، وبرتبة كبيرة في هذا الجهاز الذي كما يتواتر هو من يدير المشهد الآن في إيران، ومراهنة ترامب عليه (قاليباف) فيها نوعًا من عدم التقدير الجيد لقيادة المرحلة القادمة في إيران لأسباب عديدة، منها التقية الإيرانية والولاء للفقيه الإيراني الذي لا يستطيع معه قاليباف تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له في التعامل مع الجانب الأمريكي، ناهيك عن العقيدة الإيرانية التي يلتزم بها هؤلاء القادة والمسؤولون في أي حكومة لطهران، ولعلنا لم نشاهد انشقاقات كثيرة أو ملاحظة من سفارات طهران في الخارج، وكذلك في الداخل رغم ما أصاب إيران، وهو ما يوحي بعسكرة هذه الممثليات في كل دول العالم، وإيجاد خليط مزدوج فيها من الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية، وكذلك القبضة الحديدية التي تمارس داخل إيران، مما صعب معه انشقاق أية سفارة إيرانية في الخارج، وكذلك خروج من يصطدم بالنظام في الداخل، وهو ما يجب أن يضعه العالم أجمع تحت نظرهم، ويفهم ما تمثله سفارات هذا النظام في بلدانهم.

إن توصيف المشهد في إيران وتعاظم نفوذ الحرس الثوري ما هي إلا وسيلة من الوسائل التي تلجأ لها طهران في تجاوز هذه المرحلة الخطيرة التي يمر فيها نظام الولي الفقيه في إيران، وما يحدث من محاولات لخلق اختلافات في الموقف الإيراني ما هي إلا مسرحية تنجح إيران في فصولها لتقنع العالم بتشدد طرف ضد طرف آخر في النظام لتصل في النهاية لمبتغاها وتخرج من عنق الزجاجة التي تقع فيه الآن وتمنع انهيار الدولة.

بقي أن يعرف الجانب الأمريكي أن عليه الحذر من ما يقدمه الوفد الإيراني، ومحاولاته في استغلال الوقت وتمديد وقف إطلاق النار من فترة وأخرى، وكذلك الادعاءات التي يمارسها وفد طهران وصعوبة تعامله مع الحرس الثوري في تعثر جهود إيقاف الحرب إن صرح بذلك! وعدم المراهنة على قاليباف وغيره من شخصيات هذا النظام الذي يدين بولائه لمجتبى وأبيه!

وفي حالة تمرير هذه الخدع الإيرانية على الجانب الأمريكي، وهو ما يراهن عليه وفد طهران مع التقية التي سيمارسها وفدها مع الجانبين الباكستاني والأمريكي، مع مقامرة الجانب الباكستاني التي ربما تسقطه في براثن هذه التقية وتجعله يصر في محاولة إقناع أمريكا بضرورة الوصول لحل مع طهران يتمثل في إيقاف الحرب وردم الهوة بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وهو ما لم تلتزم به إيران من حيث تطمين الوسيط الباكستاني بسلامة الموقف الإيراني.

لا زال الموقف ضبابيًا، ولا زالت طهران تحاول إيجاد ثغرات في جدار ترامب الذي يظهر بصور مترددة نتيجة ضغوط محلية ودولية وخشيته من طول أمد الحرب التي يخشاها ترامب ويراهن عليها الجانب الإيراني ويجد فيها ترامب ضغوطًا كبيرة عليه.

وعودًا على بدء، فليس هناك في إيران أي صراع بين أجهزته الأمنية والاستخبارية والدبلوماسية أيضًا، وما يتم هو سيناريو اتفقت عليه كل الأجنحة الإيرانية، الهدف منه إجهاض الانتصار الأمريكي مع استغلال كل الوسائل والمبررات التي تؤدي لإنجاح هذا الهدف، وعلى ترامب وفريقه السياسي الاستمرار في قصف طهران والعمل على تغيير النظام في إيران إن أرادت أمريكا أن تنتصر وتخلص نفسها والعالم من كابوس النظام الكهنوتي الإرهابي، كما أنه يتوجب على باكستان أن لا تقع في مصيدة طهران وتستمر في محاولاتها بإيقاف الحرب وتمديد المفاوضات والهدن مع الجانب الإيراني الذي لا يريد الحل، بل المراهنة على إغلاق مضيق هرمز وفتحه ونقل الحرب لناقلات النفط بدلًا من استهداف رأس النظام في طهران الذي يتهرب منه وفدها ويحاول أن يخدع أمريكا والعالم به.

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى