كُتاب الرأي

” الشريك الخفي “

” الشريك الخفي “

حين يتحول رأي الناس إلى طرف غير مرئي في قراراتنا

✍🏻مـنيـرا العـتيبي 

جلس أمام شاشة التسجيل الجامعي، وأمامه قائمة قصيرة من الخيارات.

لم يكن السؤال صعبًا من حيث المبدأ، لكنه كان مثقلًا بشيء آخر.

لم يسأل نفسه: ماذا أريد؟

بل سأل السؤال الذي يتكرر بصوت منخفض داخل كثيرين:
ماذا سيقول الناس؟

هذه اللحظة لا تخص طالبًا بعينه، بل تختصر نمطًا يتكرر بصيغ مختلفة في حياتنا اليومية.

شخص يؤجل دراسة يحبها لأنه “غير مناسب اجتماعيًا”، وآخر يتراجع عن مشروع لأنه “قد لا يُفهم”، وثالث يبقى في وظيفة لا تشبهه لأنها “مستقرة أمام الآخرين”.

لكن ما الذي يحدث فعلًا؟

لفترة طويلة اعتقدنا أن المشكلة هي ضغط المجتمع، وأن الآخرين يملكون سلطة مباشرة على قراراتنا.

لكن الحقيقة أكثر دقة من ذلك.

في كثير من الحالات، الناس لا يتدخلون في قراراتنا بقدر ما نتخيل… نحن من نوسّع دائرة حضورهم داخل القرار قبل أن يكون لهم أي رأي.

نحن لا ننتظر تعليقهم، بل نتوقعه مسبقًا.

نرسم في أذهاننا ردود أفعالهم، نعيد صياغة احتمالات اعتراضهم، ثم نبدأ بتعديل خياراتنا على أساس ردود لم تُقل أصلًا.

وهنا يحدث التحول الحقيقي:

لا يعود السؤال “ماذا أريد؟”
بل يصبح القرار نفسه محاولة لتفادي رأي متخيّل.

المفارقة أن كثيرًا من هذه “الآراء” لا تصل أصلًا.

تمر القرارات على حياتنا نحن، بينما الآخرون لا يلاحظون حتى أننا كنا أمام مفترق طرق.

نحن من نعيش أثر الاختيار، لا هم.

نحن من نتحمل نتائج الوظيفة، أو التخصص، أو العلاقة، أو الفرصة التي قبلناها أو رفضناها.

هم يمرّون… ونحن نبقى.

ومع الوقت، لا يصبح الخطر في رأي الناس نفسه، بل في تحوّل هذا الرأي إلى حضور دائم داخل وعينا، حتى قبل أن يُقال.

لقد عمّقت الحياة الرقمية هذا النمط أكثر.

فالمقارنة أصبحت مستمرة، والصور جاهزة، والانطباعات سريعة، والآراء متاحة في كل لحظة.

لكن رغم كل هذا الضجيج، تبقى الحقيقة أبسط مما تبدو:

ليس كل من يملك صوتًا في الخارج يملك حق القيادة في الداخل.

ولا كل رأي يستحق أن يتحول إلى قرار.

الإنسان لا يخسر حياته دفعة واحدة، بل يخسرها تدريجيًا عندما يبالغ في تقدير جمهور غير مشارك في النتائج.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الحل في تجاهل الآخرين.

فالمسألة ليست تمردًا على المجتمع، بل إعادة ترتيب للمسافة بيننا وبين صوته.

أن نسمع دون أن نستسلم.
أن نفكر دون أن نستعير قراراتنا.
وأن نتذكر دائمًا أن من يعلّق على الطريق… ليس من يمشيه.

وفي النهاية، الناس لا يملكون سلطة على قراراتنا كما نظن… نحن فقط نوقّع لهم على هذه السلطة كل مرة نخاف فيها من رأي لم يُقل أصلًا.

كاتبة رأي

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.