كُتاب الرأي

**ميدان الصادقين**

**ميدان الصادقين**

✍🏻 منيـرا العتيـبي 

ثمة مواقيت في عمر الزمن لا تمرّ عابرة، بل تأتي كالمرفأ الآمن لقلوبٍ أضناها السير في شعاب الحياة. ومِن بين هذه المواقيت، تطلّ علينا “أيام عشر ذو الحجة”؛ لا كأيامٍ تُطوى في رزنامة العام، بل بوصفها “ميدان الصادقين” الأسمى، الذي تتسابق فيه الأرواح نحو غاياتها العظمى، وتتخفف فيه النفوس من أثقال الدنيا لتحلق في فضاءات الطهر واليقين.

حين تشرق شمس ذي الحجة، يتغير إيقاع الوجود، ويعلن الكون بدء الهدنة الكبرى مع ضجيج الحياة. إنه الميدان الذي لا يُقاس فيه السبق بجهد الأبدان وحدها، بل بصدق السرائر؛ فالتكبير الذي يملأ الآفاق ليس مجرد ألفاظ تُردد، بل هو إعلان عن إعادة ترتيب الأولويات في قلب الإنسان، ليصغر كل شيء ويظل الله وحده “الأكبر”. هنا تتنوع مسارات الصدق: بين دمعة ندم في محراب خلوة، أو كفٍّ تمتد بالعطاء، أو قلبٍ يطهر من ضغينة؛ الكُلّ يركض نحو النور، يرجو أن يُكتب في ديوان الصادقين.

وتصل هذه الرحلة الروحية إلى ذروتها الكبرى في “يوم عرفة”؛ قلب الميدان وناصيته. هناك، تتلاشى الفوارق وتذوب العناوين الدنيوية، فلا يبقى إلا الإنسان بضعفه ومسكنته، واقفاً في مشهد يُلخّص حقيقة الوجود، حيث تفيض العبرات، وتُقال العثرات، ويتجلى الصدق بأبهى صوره: تضرعٌ بلا زيف، ويقينٌ يملأ الجوانح بأن المغفرة قد حَفّت المكان.

وما إن يطوي الميدان آخر فصول السبق، حتى تكتمل العشر بيوم العيد؛ ليكون ذروة الجائزة، وتتويج الصادقين. يأتي العيد كأنه لوحة فرج صُبغت بألوان البهجة بعد طول تضرع، وتجلّت فيه معاني التكبير شكراً وثراءً. هو ليس مجرد زينة ترتدى، بل هو تجسيد للمحبة، وتصافح للقلوب قبل الأيدي، وإعلان صاخب بانتصار الروح في مضمار الطاعة.

إن عشر ذو الحجة، بختامها البهي في يوم النحر، هي فرصة العمر السنوية لإعادة بناء ما تهدّم في النفوس. فلنشرع نوافذ قلوبنا لنسمات هذا الموسم العظيم، ولنكن من فرسان هذا الميدان، عسى أن يدركنا الفلاح ونخرج منه بقلوبٍ بيضاء، ونفوسٍ مطمئنة ترفل في أعياد الرضا.

كاتبة رأي

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.