كُتاب الرأي

لانا الغامدي على خطى المفكرين

لانا الغامدي على خطى المفكرين

محمد الفريدي

في إحدى أمسيات الحوار الثقافي، دخلت إحدى غرف الحوار التي أنشأتها جمعية أدب الطفل وثقافته، بدعوة من رئيسة مكتبها بالمدينة المنورة الأستاذة الشاعرة منى البدراني (خنساء المدينة)، وكان يرافقني فضول هادئ يشبه فضول قارئ يفتح كتابا للمرة الأولى دون أن يعرف تماما ما الذي ينتظره بين صفحاته.

لم أكن أعلم أنني على موعد مع تجربة مختلفة تماما، ولا أنني سأغادر تلك الغرفة بانطباع يتجاوز حدود الإعجاب إلى الانبهار، وبقناعة راسخة أن مستقبل ثقافتنا لا يزال بخير ما دامت فيه أصوات واعدة تشبه صوت الطفلة لانا خالد الغامدي.

بدأت الجلسة كما تبدأ معظم الجلسات الحوارية: أصوات متعددة، وأعمار مختلفة، وموضوع ثقافي مفتوح، ثم جاء صوت الطفلة لانا، فتوقفت عند الجملة الأولى ثم الثانية.

لم يكن صوتا طفوليا بالمعنى المتعارف عليه، ولا صوتا يقلد الكبار؛ كان صوتا عربيا صافيا، فصيحا، متزنا، يحمل وعيا يسبق عمرها، لا يشير إلى العمر بقدر ما يكشف عن عمق تجربتها، فوجدت نفسي أنصت بكامل تركيزي كما ينصت المرء حين يشعر أن شيئا غير مألوف يحدث.

كانت لانا تتحدث بلغة عربية صحيحة، رصينة، خالية من التكلف، توظف المفردة في موضعها، وتبني الجملة نحويا بشكل واضح، ولم تكن تردد محفوظات أو تلقي خطبة من ورقة، بل كانت تحاور الكبار بثقة هادئة وأدب رفيع، وبقدرة مدهشة على الإصغاء قبل الرد وبناء الرأي دون انفعال أو استعراض.

تحدثت عن الكتب التي قرأتها، ولم تكن كتبا تمر عليها مرور الكرام أو قراءات سطحية، وإنما قراءات واعية منتقاة تدل على توجيه جيد وشغف حقيقي، وكانت تذكر اسم الكاتب وتربط النص بسياقه، وتبدي رأيا مستقلا؛ أحيانا تتفق فيه مع الطرح أو السائل، وأحيانا تخالفهما، وفي كل الأحوال كانت تقدم رأيها وتعلل السبب، وهو ما نفتقده كثيرا حتى في حوارات الكبار.

ما شدّني أكثر هو نظرتها إلى واقعنا الثقافي؛ فلم تكن مثالية ساذجة ولا متشائمة ناقمة، وإنما رؤية واعية ترى الإيجابيات كما ترى السلبيات، وتحدثت عن دور القراءة في بناء الإنسان ومسؤولية الكاتب تجاه القارئ وأهمية أن تكون الكتابة صادقة لا استعراضية وتخاطب العقل قبل أن تبحث عن التصفيق، وكلمات كهذه حين تصدر عن طفلة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام.

ثم انتقلت للحديث عن كتابة المقالات، وهنا تحديدا ظهر لي نضجها جليا، فلم تكن الكتابة عندها واجب مدرسي أو نشاط جانبي، وإنما كانت ممارسة فكرية، تحدثت عن المقال بوصفه موقفا فكريا، وعن ضرورة أن يكون للكاتب موقف يؤمن به، وأن يكتب ليضيف لا ليكرر.

وكانت تؤكد أهمية أن يحترم الكاتب عقل قرائه وألا يستخف بهم ولا باللغة التي يكتب بها ولا بالفكرة التي يعتقد بصحتها، وهذه مفاهيم لا تأتي تلقائية، وإنما هي نتاج قراءات وحوارات وبيئة تحترمها وتحترم فكرها.

في تلك اللحظة، لم أعد أرى أمامي (طفلة تناقش الكبار)، وإنما مشروع أديبة تتشكل ملامحها بهدوء؛ فهي لا تتحدث لتثبت أنها مميزة، ولا لتلفت الانتباه، وإنما لأنها تؤمن بما تقول، وهذا هو الفرق بين الموهبة الحقيقية والموهبة المصطنعة: الأولى تتكلم لأنها لا تستطيع الصمت عن فكرتها التي تعتمل في رأسها، والثانية تتكلم لترى وتسمع وتثرثر لا أكثر.

وفي الحقيقة ما يميز طفلتنا الأديبة لانا الغامدي أيضا هو تواضعها؛ فبرغم وضوح ثقافتها الطاغية، لم تتعال، ولم تقاطع، ولم تحاول فرض رأيها، وكانت تستمع وتطرح الأسئلة أو تجيب على التساؤلات، وتبني ردها على ما يطرحه الآخرون، وهذا السلوك الحواري الراقي هو في حد ذاته قيمة تربوية وثقافية قبل أن يكون مهارة لغوية.

ولا يمكن الحديث عن لانا دون الإشارة إلى الدور الذي تؤديه جمعية أدب الطفل وثقافته في احتضان هذه الأصوات؛ فالموهبة، مهما كانت حقيقية، تحتاج إلى رعاية ومساحة حاضنة وداعمة، وإلى من يستمع إليها بإنصات حقيقي، لا بتصفيق يزول مع أول لحظة دون أثر.

ووجود منصة تتيح للطفل أن يتحدث بحرية بحضور الكبار ويناقشهم ويخطئ ويتعلم يعد استثمارا حقيقيا في مستقبله الثقافي، ولانا واحدة من ثمار هذا الاحتضان.

وهي نموذج لما يمكن أن نصل إليه حين نؤمن بأن الطفل قادر على أن يكون قارئا ومفكرا ومشاركا في النقاش العام، إذا وفرنا له المساحة الكافية التي تتيح له أن ينمو بيننا بثقة ويصوغ وعيه بعيدا عن تلقين الببغاوات الذي اعتدنا عليه، ليصبح جزءا حاضرا في صناعة مستقبلنا الثقافي.

ولانا ليست حالة استثنائية، وإنما مثال حيّ على هذه القدرة حين تُتاح لها بيئة تسمح بالنمو والتعبير والإسهام في تشكيل النضج الفكري والمعرفي في سن مبكرة.

وفي هذا المقال، لا أقصد المبالغة في الثناء أو التطبيل كما يقولون، ولا إلى تحميل الطفلة أكثر مما تحتمل، بل إلى الإشارة إلى أن لانا خالد الغامدي بذرة واعدة تستحق الرعاية والتشجيع والاحترام والتكريم، وأن الاحتفاء الحقيقي بها ينبغي أن يقوم على تنمية موهبتها وصقلها، لا على استغلالها إعلاميا أو دفعها إلى واجهة تفوق عمرها وقدرتها كطفلة.

فالمواهب الحقيقية لا تصنع بالتصفيق، وإنما تبنى بالصبر والصدق والاحتضان المسؤول، وإتاحة الفرصة لها لتنمو في بيئة واعية توازن بين التشجيع والتوجيه، وتمنحها الوقت الكافي لتتبلور وتكتمل ملامحها بعيدا عن الاستعجال والضجيج.

إن ما رأيته وسمعته في تلك الغرفة الحوارية أعاد إلي الثقة بأن اللغة العربية ما زالت قادرة على إنجاب من يحملها بحب ووعي، وأن لغتنا لا تزال حاضرة في وجدان أجيالنا الجديدة بوصفها أداة فكر وبناء لا مجرد وسيلة للظهور.

وأخيرا، يمكن القول إن تجربة لانا ليست مجرد لحظة إعجاب، وإنما إشارة إلى أن الاستثمار في الطفل القارئ هو الاستثمار الأمثل في المستقبل.

فإذا كانت هذه ملامح الوعي في بداياته، فكيف سيكون حين يشتد عوده؟ سؤال يبعث على التفاؤل، ويستحق أن ننتظره جميعا بثقة، وهو ما يدعونا إلى أن نحسن الرعاية اليوم لنحصد غدا وعيا أكثر إشراقا، قادرا على أن يصنع أثره في واقعنا بثبات، وأن نؤمن بأن ما نغرسه الآن من دعم واحتضان وتوجيه متوازن هو مشروع وطني ممتد، يثمر أجيالا أكثر قدرة على الإسهام في بناء مستقبلنا الثقافي.

ومن الزوايا التي تستحق التأمل في مثل هذه التجارب أن حضور الطفل في الفضاء الثقافي لا يعني فقط امتلاكه للمعرفة، وإنما قدرته على تحويل هذه المعرفة إلى طريقة في التفكير والتعبير عن الذات، فالمسألة لا تتعلق بكمّ المعلومات التي يملكها، وإنما بكيفية توظيفها داخل بيئة واقعية من الحوار والتفاعل.

وعندما ينخرط في نقاشات فكرية مبكرة مع الكبار، فإنه يكتسب مهارة التوازن بين الاستماع والرد، وبين الفكرة والانطباع، وبين ما يُقال وما يُفهم ضمنيا، وهو ما يسهم في بناء شخصية أكثر إدراكًا وقدرة على التعبير والتفاعل مع محيطه بثقة واتزان.

وهذه المهارات لا تتشكل دفعة واحدة، وإنما تنمو تدريجيا مع التمرين والممارسة، كلما أتيح للطفل أن يعبر عن رأيه بحرية، وأن يصغي إلى الآخرين باحترام، وأن يعيد صياغة أفكاره في ضوء ما يسمعه من مداخلات ورؤى مختلفة، فيتحول التفاعل الثقافي من مجرد حضور شكلي إلى تجربة معرفية تسهم في بناء دراية أعمق بالذات وبالعالم من حوله.

كما أن هذا النوع من التجارب يفتح أمامنا سؤالا أوسع حول طبيعة البيئة التي تصنع هذا النوع من الوعي المبكر، وكيف يمكن للمؤسسات الثقافية والتعليمية أن تخلق مساحات تسمح بظهور هذه الطاقات دون ضغط أو تصنّع على شبكات التواصل، في ظل حاجة المواهب إلى مناخ محفز يقدر الاختلاف ويحتفي بالتجربة الفردية، بعيدا عن العزلة أو البيئات التي تُدار بالصدفة.

ومن هنا تتجلى أهمية بناء منصات حوارية متخصصة تتيح للأطفال والشباب اختبار أفكارهم، وصقل لغتهم، وتوسيع رؤيتهم المعرفية في العلن، بما يجعلهم أكثر قدرة على المشاركة المؤثرة في المستقبل الثقافي والمعرفي لمجتمعهم، وبحضور أدباء كبار يشار إليهم بالبنان، فشكرا للملهمة لانا الغامدي لإخراج هذه الأفكار من جعبتي وكتابة هذا المقال.

رئيس التحرير 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫7 تعليقات

  1. إشادتكم بالطفلة المبدعة لانا الغامدي، وتسليطكم الضوء على دور جمعية أدب الطفل وثقافته برئاسة الأستاذة خنساء المدينة، هو دعمٌ حقيقي للمواهب الواعدة.
    لانا نموذجٌ مشرّف يثبت أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل الوطن.
    كل التقدير لقلمكم، وكل التوفيق للجمعية وللطفلة لانا في مسيرتها الأدبية.

  2. سعادة ريئس تحرير صحيفة آخر أخبار الأرض
    إشادتكم بالطفلة المبدعة لانا الغامدي، وتسليطكم الضوء على دور جمعية أدب الطفل وثقافته برئاسة الأستاذة خنساء المدينة، هو دعمٌ حقيقي للمواهب الواعدة.
    لانا نموذجٌ مشرّف يثبت أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل الوطن.
    كل التقدير لقلمكم، وكل التوفيق للجمعية وللطفلة لانا في مسيرتها الأدبية.

  3. ماشاء الله تبارك الرحمن
    كثر الله امثالها ووفقك وكثر أمثالك
    لتشجيعك الادب والادباء كباراً وصغاراً

    1. سعادة ريئس تحرير صحيفة آخر أخبار الأرض
      إشادتكم بالطفلة المبدعة لانا الغامدي، وتسليطكم الضوء على دور جمعية أدب الطفل وثقافته برئاسة الأستاذة خنساء المدينة، هو دعمٌ حقيقي للمواهب الواعدة.
      لانا نموذجٌ مشرّف يثبت أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل الوطن.
      كل التقدير لقلمكم، وكل التوفيق للجمعية وللطفلة لانا في مسيرتها الأدبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.