كُتاب الرأي

لماذا فشل الانتقالي؟

لماذا فشل الانتقالي؟

حين تحوّلت القضية من مشروع دولة… إلى مشروع نفوذ

منذ اللحظة الأولى لظهور المجلس الانتقالي الجنوبي، علّق كثير من أبناء الجنوب آمالهم عليه باعتباره حاملًا للقضية الجنوبية، وصوتًا يسعى لاستعادة الكرامة والقرار السياسي بعد سنوات طويلة من التهميش والحروب والفوضى.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الأسئلة الصعبة تفرض نفسها بقوة:

لماذا تعثر الانتقالي رغم الدعم السياسي والعسكري والإعلامي الذي حظي به؟
ولماذا فشل في التحول إلى مشروع وطني جامع قادر على إقناع الداخل والخارج؟
ولماذا بدأت حتى بعض البيئات الجنوبية تنظر إليه ككيان أزمة لا ككيان دولة؟

الحقيقة أن الفشل لم يكن بسبب قلة الإمكانيات… بل بسبب سوء قراءة المشهد السياسي، وسوء إدارة التوازنات، والتعامل مع الملفات الحساسة بعقلية الغلبة لا بعقلية الشراكة.

أولًا: الخطأ الاستراتيجي الأكبر… تقديم مصالح دولة على حساب القضية

أكبر خطأ ارتكبه الانتقالي أنه ظهر — سياسيًا وإعلاميًا — وكأنه يتحرك لخدمة أجندة دولة أكثر من تحركه لخدمة مشروع وطني جنوبي مستقل القرار.

وفي عالم السياسة، لا توجد دولة تدعم كيانًا بلا مقابل، لكن الذكاء السياسي يكمن في تحقيق التوازن بين الدعم الخارجي وبين الحفاظ على صورة المشروع الوطني المستقل.

ما حدث أن الانتقالي فقد هذا التوازن تدريجيًا.

فتحولت القضية الجنوبية — في نظر كثيرين — من قضية شعب يبحث عن حقه التاريخي، إلى أداة ضمن صراع إقليمي أكبر.
وهنا بدأت الشرعية الشعبية بالتآكل، وبدأت صورة المشروع تفقد بريقها أمام المجتمع الدولي.

ثانيًا: الفشل في قراءة العمق السعودي

الانتقالي أخطأ حين ظن أن المنطقة تُدار فقط عبر التحالفات التكتيكية المؤقتة، ولم يدرك أن المملكة العربية السعودية ليست دولة تبحث عن فوضى أو مشاريع متصادمة داخل محيطها، بل تبحث عن استقرار طويل المدى يحفظ أمن المنطقة ويمنع الانهيارات.

المملكة العربية السعودية تنظر إلى المنطقة بعين الدولة الكبرى، لا بعين الفصيل.

والرياض تدرك أن أي مشروع لا يستطيع احتواء الجميع، ولا يستطيع صناعة استقرار حقيقي، سيتحول مستقبلًا إلى عبء أمني وسياسي.

لهذا كان من الطبيعي أن تتحفظ السعودية على كثير من الممارسات الإقصائية أو الخطابات المتشنجة التي ظهرت من بعض أدوات الانتقالي، خاصة حين بدا وكأن المشروع يُدار بعقلية “المنتصر” لا بعقلية “بناء الدولة”.

السعودية تاريخيًا لا تراهن على المشاريع الضيقة، بل على المشاريع القادرة على احتواء التنوع، وصناعة توازن مستدام، وحماية الأمن القومي الخليجي والعربي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت الرياض تتعامل بحذر مع الانتقالي رغم الدعم والتحالفات.

ثالثًا: الملف الحضرمي… نقطة الانكسار الكبرى

ربما كانت أكبر ضربة تلقاها الانتقالي سياسيًا هي طريقة تعامله مع حضرموت.

فبدل أن يتعامل معها كشريك تاريخي وسياسي وجغرافي واقتصادي، حاول التعامل معها كملف تابع يجب إخضاعه ضمن مشروع مركزي.

وهنا وقع الخطأ القاتل.

حضرموت ليست محافظة هامشية يمكن ابتلاعها بخطاب عاطفي أو إعلام تعبوي.
حضرموت تمتلك عمقًا تاريخيًا، وثقلًا اقتصاديًا، وامتدادًا جغرافيًا، وعلاقات إقليمية، وهوية خاصة، ونظرة مختلفة لمفهوم الدولة والسيادة والشراكة.

وكان يفترض بأي مشروع جنوبي ذكي أن يجعل حضرموت “شريك تأسيس”، لا “ساحة نفوذ”.

لكن ما حدث هو العكس.

فشعر كثير من الحضارم أن الانتقالي يريد منهم أن يكونوا مجرد تابعين داخل مشروع لا يملكون فيه القرار الحقيقي، ولا تُحترم فيه خصوصيتهم السياسية والتاريخية.

وهنا بدأت الهوة تتوسع.

رابعًا: غياب المشروع الحضاري الجامع

الانتقالي اختزل القضية الجنوبية في إطار جغرافي ضيق، بينما كان يحتاج إلى تقديم مشروع حضاري واسع قادر على استيعاب الجميع.

كان بإمكانه — لو امتلك رؤية استراتيجية عميقة — أن يطرح مفهوم:

“الجنوب العربي الكبير”

كمشروع إقليمي حضاري يتسع لكل المكونات والهويات والتاريخ والجغرافيا، ويجعل من الجنوب مظلة جامعة لا ساحة صراع.

مشروعٌ تكون فيه:

حضرموت شريكًا لا تابعًا
واليمن جزءًا من معادلة الاستقرار لا ساحة انتقام
والخليج عمقًا استراتيجيًا طبيعيًا
والسعودية الضامن الأكبر للتوازن والأمن

حينها فقط، كان يمكن أن يتحول المشروع إلى رؤية دولة حقيقية يفهمها العالم ويحترمها الإقليم.

لكن ما حدث أن الخطاب ظل محصورًا في دائرة التعبئة والصراع وردود الأفعال، لا في بناء فلسفة سياسية متماسكة.

خامسًا: السياسة ليست بندقية فقط

الانتقالي امتلك أدوات عسكرية وإعلامية ضخمة، لكنه لم ينجح في بناء عقل سياسي عميق قادر على إدارة التعقيدات.

فالدول لا تُبنى بالقوة فقط.
الدول تُبنى بالاحتواء، وبفهم التوازنات، وباحترام الشركاء، وبإدارة التنوع، وبإدراك أن الجغرافيا السياسية في الجزيرة العربية شديدة الحساسية.

ومن لا يفهم العمق السعودي… سيفشل.
ومن لا يفهم حضرموت… سيفشل.
ومن لا يستطيع تحويل مشروعه إلى مشروع استقرار إقليمي… سيفشل مهما امتلك من قوة.

الخلاصة

فشل الانتقالي لأنه تعامل مع القضية الجنوبية كملف نفوذ أكثر من كونها مشروع دولة.

وفشل لأنه لم يقرأ السعودية جيدًا.
وفشل لأنه لم يفهم حضرموت جيدًا.
وفشل لأنه لم يقدّم مشروعًا جامعًا يتجاوز عقلية السيطرة إلى عقلية الشراكة.

وفي النهاية…
أي مشروع لا يتسع للجميع، سيتحول مع الوقت إلى أزمة جديدة، مهما كانت شعاراته كبيرة.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
18 مايو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.