وطن يُنهب باسم “الشرعية”
وطن يُنهب باسم “الشرعية”
من العيب السياسي والأخلاقي والوطني أن نستمر في تسمية ما يسمى بـ “الشرعية” حكومة… فهي لا تمت لمعنى الدولة أو الحكم أو المسؤولية بأي صلة.
ما نراه اليوم ليس سلطة شرعية، بل شبكة متضخمة من الفساد والعبث والارتهان، تتغذى على معاناة شعب مسحوق، وتعيش فوق أنقاض وطن جريح.
هذه الجماعة لم تأتِ عبر مشروع بناء دولة، ولا عبر كفاءة أو تضحية، بل انتشلها التحالف من الوحل يوم كانت تتساقط أمام المليشيات، فإذا بها تتحول لاحقًا إلى عبء ثقيل على الشعب، بل وإلى وحل جديد أغرق الناس بالفقر والانهيار والمهانة.
أي شرعية هذه التي يعيش أغلب مسؤوليها خارج البلاد؟
وأي دولة هذه التي أصبح مسؤولوها مشردين في الفنادق والعواصم، بينما الشعب يواجه الجوع والظلام وانهيار الخدمات؟
المصيبة ليست فقط في الفساد، بل في حجم الوقاحة السياسية التي تمارسها هذه العصابة وهي تتحدث باسم الوطن!
السواد الأعظم منهم مرتبط إما بوظائف دبلوماسية عبثية، أو برواتب وهمية بالدولار، أو بمناصب خُلقت فقط لتوزيع الغنائم على الأقارب والولاءات.
بل إن الكارثة التي تثير السخرية السوداء، أن عدد موظفي السلك الدبلوماسي اليمني أصبح يفوق عدد موظفي السلك الدبلوماسي الأوروبي مجتمعًا!
دولة منهارة، بلا كهرباء، بلا تعليم، بلا اقتصاد، بلا سيادة… لكنها تملك جيشًا جرارًا من السفراء والملحقين والوكلاء والمستشارين الذين لا يعرف كثير منهم اليمن أصلًا، وبعضهم وُلد وعاش خارج البلاد ولا تربطه بالناس إلا رواتب الدولار!
هؤلاء لا يمثلون شعبًا، بل يمثلون مشروع استنزاف منظم.
هم طبقة طفيلية متغلغلة داخل النسيج المنهك، تعيش على المساعدات، وتتاجر بالحرب، وتُطيل عمر المأساة لأنها ببساطة تستفيد منها.
ولهذا، فإن الواجب اليوم لم يعد الصمت أو المجاملة السياسية، بل رفع الصوت عاليًا والمطالبة بالتحرر من هذه المنظومة الفاسدة قبل أي حديث عن الحلول.
فالخطر الحقيقي لم يعد فقط في المليشيات، بل في هذا الخراب الإداري والسياسي الذي التهم الدولة من الداخل حتى أصبحت مجرد هيكل فارغ.
كما أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية مباشرة عمّا يحدث، لأن اليمن اليوم عمليًا تحت الوصاية الدولية، والقرارات الكبرى لا تُتخذ داخليًا بقدر ما تُدار عبر غرف النفوذ الخارجي.
ومع ذلك، يستمر العالم في دعم واجهات فاشلة أثبتت السنوات أنها عاجزة حتى عن إدارة فندق، فضلًا عن إدارة وطن.
لقد تحولت “الشرعية” إلى أكبر عملية احتيال سياسي في تاريخ المنطقة؛
اسمها شرعية… وواقعها فساد.
تتحدث عن الدولة… وهي بلا دولة.
تتغنى بالجمهورية… بينما تتقاسم المناصب كغنائم حرب.
ترفع شعار الوطن… وهي أول من مزق الوطن.
لكن الشعوب لا تُخدع إلى الأبد…
والوعي بدأ يتسع، والغضب يتراكم، والناس باتت تدرك أن أكبر معركة اليوم ليست فقط ضد الانقلاب أو الفوضى، بل ضد منظومة الفساد التي اختطفت اسم الدولة وحولت الوطن إلى سوق مفتوح للنهب والارتزاق.
وسيأتي يوم تُفتح فيه كل الملفات، ويُسأل فيه كل لص عن الأموال المنهوبة، وكل مسؤول عن شعب تُرك للجوع والذل والانهيار، بينما هم يعيشون في القصور والفنادق تحت حماية الدولار السياسي.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
11 مايو 2026