مقال ” متعة الوحدة “
مقال ” متعة الوحدة “
بقلم أ. وفاء باعشن
ذات يوم عادي في حياتي، قررت الجلوس في مكان يعمّ بالضجيج حتى أشعر بالهدوء والانتماء من جلوسي بمفردي. وجدت نفسي أستمتع بالوحدة التي لم يقطع بها أي شخص حبل أفكاري الخيالية. وشعرت بالتلذذ بمجالسة ذاتي ولم أذق مثل هذا الشعور في حياتي مع العامة من الناس. استطعت فهم نفسي من خلال التحدث إلى روحي المتعطشة للحياة دون إزعاج من أرواح أخرى تصاحبني.
إن الحديث إلى النفس ومراجعة ذواتنا كنز عظيم يجب الاستثمار فيه مدى الحياة.
لقد قال الإمام الشافعي في فضل العزلة:
( فَهَرب بِنَفسِكَ وَاِستَأنِس بِوَحدَتها … تَبقى سَعيدًا إِذا ما كُنتَ مُنفَرِدا
وَاِتخِذِ الصَومَعةَ كَهفاً لِتَنجو … مِن لَظى الدُنيا وَمَن عاشَ فَردا)
وذكر أبو العلاء المعري في عزلة الحكيم:
( في الوِحدةِ الرّاحةُ العُظمى فآخِ بِها … لا تَصحَبِ النّاسَ في دُنياكَ كُلِّهِمِ إنّي أرى مَوضِعَ العُزلةِ أَنفَعَ لي … مِن قُربِ النّاسِ في كَونٍهُمُ جَهلُهُمِ)
وهناك أبيات معاصرة عن “متعة العزلة:
( وحيدٌ الآن ولكنّي هادئ … مطمئن، وراضٍ بوحدتي جداً
الليل ليس ظلمة، الليل ليس … ظلاماً
إلّا على من سكنت الوحدة قلوبهم)
ومن أقوال جبران خليل جبران في “أدب العزلة”:
( إذا شعرت بالحاجة إلى يد دافئة فامسك بيدك الأخرى، فلن يهزم شخص يؤمن بنفسه) .
وكتب قلم فرناندو بيسوا:
( الحرية هي امتلاك إمكانية العزلة ) .
فهناك متعة من نوع آخر بالخلوة الإيجابية. الخلوة هي فن الاستمتاع بالذات بعيداً عن ضجيج الآخرين، وهي حالة من السلام الداخلي والتحرر النفسي. هي عزلة تنبع من اختيار واعٍ لإعادة شحن الطاقة واكتشاف وتطوير الذات.
فبالعزلة نستطيع فهم الأفكار، والمشاعر، وصقل المواهب الخاصة بعيداً عن تأثيرات الآخرين وآرائهم وأحكامهم. فنجد الحرية والسكينة في الوحدة، ونتصرف على طبيعتنا، ونستمتع بهدوء وراحة بال عند مواجهة ذواتنا.
بالإضافة إلى وجود مساحة لزيادة الإنتاجية وتعزيز الذكاء العاطفي. وهذا فقط عندما نختار التركيز العالي، والتفكير العميق في العزلة.
إن الخلوة بالذات تعلمنا الاعتماد على النفس كمصدر للسعادة والسلام النفسي، وتخفف من الحاجة المستمرة للآخرين، مما يبني لذواتنا شخصية أكثر نضجاً واستقلالية .
ففي الخلوة الإيجابية فرصة لمراجعة وترتيب الأولويات في حياتنا.
وبالنهاية، أفيدكم ان متعة الوحدة هي أن تصبح صديقاً لنفسك، حيث تكون العزلة خياراً لتحقيق الأهداف والحصول على السلام والبعد عن التنافسية والمقارنات.
وهي ليست هروباً من الواقع أو من اتخاذ قرار في الحياة، بل حب للتفرد في مجتمع نوعًا ما يغوص بتناسخ الأهداف والتنافس على القمة الوهمية لعالم زائل ذو معالم سرابية.
كاتبة رأي
