كُتاب الرأي

العمر ليس رقمًا… بل روحٌ تُحسن الحياة

العمر ليس رقمًا… بل روحٌ تُحسن الحياة

بقلم: بكري عساس

كثيرًا ما تتردد عبارة: «العمر مجرد رقم»، وقد تبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عابرًا، لكنها في حقيقتها تختزل فلسفة عميقة في فهم الحياة والإنسان. فالعمر الذي يُدوَّن في الوثائق الرسمية لا يقيس بالضرورة حيوية الإنسان، ولا مقدار عطائه، ولا مستوى شغفه بالحياة، ولا قدرته على الإبداع والاستمرار.

فالسنوات قد تمر على الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تهزم روحًا تؤمن بالحياة، أو قلبًا ما زال ممتلئًا بالأمل والطموح. وقد يكون المرء في التسعين من عمره نابضًا بالحيوية، متوقد الفكر، بينما يبدو آخر في العشرين وكأنه استنفد سنوات عمره مبكرًا، لأن الحياة ليست بعدد الأعوام، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى حيّ الروح ومتجدد الشغف.

ولعل الشاعر أحمد الصافي عبّر عن هذه الحقيقة ببلاغة حين قال:

«عمري إلى التسعين يركض مسرعًا…
والروح ثابتة على العشرينِ.»

إن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما ملأ به تلك السنوات من أثر، وما زرعه فيها من حب وعطاء ومعرفة. فهناك من يعيش عمرًا طويلًا دون أن يترك بصمة، وهناك من يجعل من سنواته القليلة عمرًا ممتدًا في ذاكرة الناس وقلوبهم.

وتؤكد تجارب الحياة أن الإبداع لا يرتبط بعمر زمني، بل بطاقة داخلية تدفع الإنسان للاستمرار في التعلم والعمل والإنتاج. ومن أبرز النماذج العالمية في هذا السياق، عالم الكيمياء البروفسور جون جودإناف، الذي اضطر إلى ترك منصبه في جامعة أكسفورد عند بلوغه سن التقاعد، لكنه لم يتوقف عن البحث والعطاء، بل واصل مسيرته العلمية في الولايات المتحدة حتى تُوِّج بجائزة نوبل في سن السابعة والتسعين، تقديرًا لإسهاماته الرائدة في تطوير بطاريات الليثيوم.

وفي تجربة شخصية لا تقل إلهامًا، أستحضر نموذجًا آخر تمثل في مشرفتي خلال مرحلة الدكتوراه بجامعة ويلز البريطانية، البروفسورة سيلفا لوتكنز، التي بدأت الإشراف عليّ وهي في الخامسة والسبعين من عمرها، واستمرت في نشاطها الأكاديمي بروح شابة وحيوية لافتة.

لم تكن مجرد أستاذة جامعية، بل كانت درسًا حيًا في معنى الحياة المتجددة؛ تمارس رياضة تسلق الجبال، وتتنقل يوميًا إلى الجامعة مشيًا أو على دراجتها الهوائية، في مشهد يعكس انسجام الإنسان مع الحياة حين يعيشها بشغف لا تحدّه السنوات.

والأكثر إدهاشًا أنها لا تزال – حتى اليوم – تمارس دورها العلمي، وتواصل إلقاء المحاضرات لطلاب الدراسات العليا، رغم تجاوزها الرابعة بعد المئة من عمرها، وكأنها تقول للعالم: إن الروح إذا ظلت حيّة، فإن العمر يفقد سلطته.

إن الشيخوخة الحقيقية ليست في تجاعيد الوجه، بل في انطفاء الشغف، وتوقف الإنسان عن الحلم والمحاولة. فكم من شابٍ أرهقته الحياة حتى شاخ قلبه مبكرًا، وكم من مُسنٍّ ظل يحمل روح طفل يرى الدنيا بعين الدهشة والأمل.

إن العمر ليس سوى رقم، أما الحياة فهي قرار يومي بأن نعيش بشغف، ونفكر بإيجابية، ونواصل العطاء ما دمنا قادرين على ذلك. فالحياة لا تُقاس بطول السنين، بل بعمق الأثر، وجمال الروح، وصدق التجربة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في هذا المعنى:
«ليس المهم كم سنة عشنا، بل كيف عشنا تلك السنوات.»

كاتب رأي 

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى