كُتاب الرأي

الكونفدرالية العربية تبدأ من حضرموت

الكونفدرالية العربية تبدأ من حضرموت

في عالمٍ يعاد تشكيله بالقوة، لم تعد الدول تُقاس فقط بحدودها الجغرافية، بل بقدرتها على بناء الأحلاف وصناعة الممرات والتحكم بالمفاصل الاستراتيجية. ومن هنا، فإن الحديث عن كونفدرالية سعودية حضرمية ليس طرحًا عاطفيًا أو حلمًا رومانسيًا كما يتوهم البعض، بل مشروعًا جيوسياسيًا عميقًا قد يتحول إلى أخطر تحول استراتيجي في الجزيرة العربية منذ قيام الدولة السعودية الأولى.

حضرموت ليست أرضًا هامشية، وليست مجرد محافظة كما حاولت مشاريع “اليمننة” فرضه لعقود، بل هي عمق حضاري وتجاري وديني واستراتيجي يمتد من قلب الجزيرة العربية إلى شرق أفريقيا والهند وشرق آسيا. وهي بحكم موقعها وثرواتها وسواحلها الطويلة تمثل المفتاح الحقيقي لأي مشروع نهضوي عربي تقوده المملكة العربية السعودية في القرن الحادي والعشرين.

إن أخطر ما تخشاه إيران ليس الحرب العسكرية المباشرة، بل سقوط أدواتها الجيوسياسية وانهيار مناطق الفوضى التي تتغذى عليها. فالمشروع الفارسي لا يعيش إلا داخل البيئات الهشة والممزقة، ويعتمد على تفكيك الهوية العربية، وضرب الاستقرار، وصناعة الكيانات التابعة التي تعمل كأذرع تخريبية داخل الجسد العربي.

ومن هنا تحديدًا تصبح حضرموت “الجائزة الكبرى”.

فإذا انتقلت حضرموت إلى حالة استقرار سيادي مرتبط بالمملكة ضمن إطار كونفدرالي مرن يحفظ الهوية الحضرمية ويحقق التكامل الأمني والاقتصادي والعسكري مع السعودية، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج كارثية على المشروع الإيراني في المنطقة.

أولًا: سيتم إغلاق أحد أهم الفراغات الجيوسياسية التي تتسلل منها الفوضى إلى جنوب الجزيرة العربية.

ثانيًا: ستفقد إيران جزءًا كبيرًا من قدرتها على تهديد خطوط الملاحة والطاقة عبر بحر العرب والمحيط الهندي.

ثالثًا: ستتحول حضرموت إلى جدار صد عربي يمتد من المهرة حتى البحر الأحمر، ويعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي بالكامل.

رابعًا: سينهار الخطاب الذي حاول لعقود عزل حضرموت عن عمقها العربي والخليجي وربطها قسرًا بمشاريع فاشلة لم تجلب سوى الفقر والانهيار.

إن أي مراقب عاقل يدرك أن رؤية السعودية 2030 ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل مشروع إعادة تشكيل للمنطقة بأكملها. المملكة اليوم تبني نفوذًا قائمًا على الاقتصاد، والطاقة، والممرات اللوجستية، والاستقرار الإقليمي، والتحالفات الذكية. ولذلك فإن حضرموت تمثل قطعة استراتيجية شديدة الأهمية داخل هذا التصور المستقبلي.

فحضرموت تمتلك:

* موقعًا بحريًا استثنائيًا.
* ثروات نفطية ومعدنية ضخمة.
* عمقًا قبليًا واجتماعيًا متماسكًا.
* امتدادًا تاريخيًا مع الجزيرة العربية.
* قابلية للتحول إلى مركز اقتصادي ولوجستي عالمي.

ولو تحقق هذا التكامل الكونفدرالي، فإننا لن نكون أمام تحالف محلي محدود، بل أمام نواة حقيقية لمشروع “كونفدرالية عربية” أوسع، تقودها السعودية، وتقوم على التكامل الاقتصادي والأمني والثقافي بدلًا من الشعارات القومية الفارغة التي فشلت طوال العقود الماضية.

إن الأمة العربية اليوم لا تحتاج إلى خطابات ثورية، بل تحتاج إلى مشاريع واقعية قوية تصنع الاستقرار والقوة والازدهار. والسعودية أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها الدولة العربية الوحيدة القادرة على الانتقال من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة صناعة المستقبل.

ولذلك فإن الربط بين حضرموت والسعودية ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية للأمن القومي العربي بأكمله.

إنها ليست قضية حدود…
بل قضية مستقبل.

وليست مجرد تحالف…
بل إعادة رسم لخريطة القوة في المنطقة.

وقد يسخر البعض اليوم من هذا الطرح، كما سخر كثيرون سابقًا من مشاريع تحولت لاحقًا إلى حقائق غيّرت وجه التاريخ. لكن الحقيقة الثابتة أن المنطقة تتغير بسرعة، وأن الخرائط القديمة تتآكل، وأن الشعوب بدأت تبحث عن المشاريع القادرة على حمايتها وصناعة مستقبلها، لا المشاريع التي تعيش على الفوضى والشعارات.

وحين تدرك الشعوب أن الأمن والتنمية والسيادة والازدهار يمكن أن تجتمع داخل مشروع عربي قوي تقوده السعودية، فإن كثيرًا من المعادلات الحالية ستسقط دفعة واحدة.

وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس:
هل ستتحقق الكونفدرالية السعودية الحضرمية؟

بل:
هل تستطيع المنطقة تجاهل مشروع بهذه القوة والأهمية وسط عالم يعاد تشكيله من جديد؟

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
10 مايو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى