حضرموت… بين الخيانة والاحتلال
حضرموت… بين الخيانة والاحتلال
لم تكن مأساة حضرموت وليدة السنوات الأخيرة، ولا نتيجة صراع سياسي عابر، بل هي قضية تاريخية عميقة بدأت منذ اللحظة التي استهدفت فيها القوى الاستعمارية هذا الكيان الحضاري العريق، وسعت إلى اقتلاعه من امتداده الطبيعي والديني والتاريخي في الجزيرة العربية.
لقد أدركت بريطانيا مبكرًا الأهمية الاستراتيجية لحضرموت، ليس فقط بسبب موقعها وثرواتها وموانئها، بل لأنها كانت تمثل عمقًا عربيًا وإسلاميًا متجذرًا، يرتبط وجدانيًا وروحيًا براية التوحيد منذ عهد الدولة السعودية الأولى. فحضرموت لم تكن يومًا منفصلة عن محيطها الطبيعي في الجزيرة العربية، بل كانت جزءًا من الامتداد الديني والاجتماعي والثقافي الذي جمعها بأرض الحرمين الشريفين، وكانت البيعة لراية التوحيد حاضرة في وجدان كثير من القبائل والعلماء والأسر الحضرمية منذ قرون.
ولهذا لم يكن استهداف حضرموت مجرد احتلال جغرافي، بل كان مشروعًا سياسيًا يراد منه فصل حضرموت عن عمقها الحقيقي، وإضعاف أي امتداد طبيعي لها مع الدولة السعودية الصاعدة آنذاك. فجاء الدور البريطاني الخبيث ليزرع كيانات مصطنعة، ويغذي الانقسامات، ويفصل حضرموت عن امتدادها التاريخي، في محاولة واضحة لمحاصرة نفوذ راية التوحيد في جنوب الجزيرة العربية.
ثم جاءت الخيانة الكبرى حين سلّمت بريطانيا حضرموت لقوى أيديولوجية دخيلة لا تمت لهوية حضرموت بصلة، لتبدأ مرحلة جديدة من التذويب القسري والضم السياسي الذي لم يستند إلى إرادة شعبية حضرمية حقيقية، بل فُرض بالقوة والسلاح والتحالفات الخارجية.
ومنذ ذلك اليوم، دخلت حضرموت في نفق طويل من التهميش والنهب والإقصاء تحت الهيمنة اليمنية بمختلف أشكالها ومسمياتها. تحولت الثروات الحضرمية إلى غنائم تُنهب، بينما بقي الإنسان الحضرمي محرومًا من حقه الطبيعي في إدارة أرضه وثرواته وقراره السياسي.
لقد حاولت الأنظمة اليمنية المتعاقبة طمس الهوية الحضرمية، وإذابة حضرموت داخل مشاريع سياسية متقلبة، مرة باسم الثورة، ومرة باسم الوحدة، ومرة باسم الجنوب، بينما الحقيقة الثابتة أن حضرموت كانت دائمًا تُعامل كتابع لا كشريك، وكخزان ثروة لا كوطن له خصوصيته وحقه التاريخي.
ورغم كل محاولات الطمس، بقيت حضرموت محافظة على شخصيتها الحضارية الفريدة، وعلى إرثها الديني والتجاري والثقافي، وعلى علاقتها التاريخية المتينة بالمملكة العربية السعودية، تلك العلاقة التي لم تُبنَ على المصالح الآنية، بل على روابط العقيدة والتاريخ والمصير المشترك.
واليوم، ومع التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة، يدرك الحضارم أن الفرصة التاريخية قد اقتربت لاستعادة حقوقهم وهويتهم وقرارهم المستقل، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة اليمنية وصراعات القوى المتناحرة التي لم تجلب لحضرموت إلا الفوضى والاستنزاف.
إن الحضارم ينظرون بأمل كبير — بعد الله سبحانه وتعالى — إلى حكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى الرؤية القيادية التاريخية لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، باعتبار المملكة العربية السعودية الركيزة الكبرى للأمة الإسلامية، والقوة القادرة على إعادة التوازن والاستقرار للمنطقة، وإنصاف حضرموت التي كانت ولا تزال جزءًا أصيلًا من العمق الاستراتيجي والأمني والديني للجزيرة العربية.
فحضرموت ليست قضية محلية هامشية…بل قضية شعب وهوية وتاريخ تم اقتلاعه قسرًا من امتداده الطبيعي.
وحضرموت ليست أرضًا بلا جذور…بل وطنٌ ضارب في عمق التاريخ، حمل راية الإسلام والعلم والتجارة، وارتبط وجدانه براية التوحيد منذ الازل.
وسيأتي اليوم الذي تستعيد فيه حضرموت حقها الكامل، وهويتها الحقيقية، ومكانتها الطبيعية بين الأمم، بإذن الله، مهما طال ليل التهميش والاحتلال.
بقلم:مهندس صالح بن سعيد المرزم
7 مايو 2026