الثقافية

الرومانتيكية عند الشاعر الكبير عبدالله البردُّوني

الرومانتيكية عند الشاعر الكبير عبدالله البردُّوني

يبقى أثر البيئة والتربية والجغرافيا المكانية في نفس المبدع والأديب شاعراً كان أم ناثرا ! ويبقى كل ذلك عميقاً وحاضراً في تجاربه الإنسانية والأدبية الإبداعية !
 فالطبيعة الساحرة من الأنهار الجارية السلسالة ! والحدائق والبساتين الغنّاء ! والأشجار الباسقة والأظلال الوارفة ! والثمار المتدليّة اليانعة ! والمياه الجارية والطيور المنشدة والهواء العليل والجواري  من الغاديات والرائحات ! يبقى ذلك ماثلاً وشاهداً في كل ما يسطره المبدع شعراً كان أم نثرا جميلاً !
 تلك الصور السريالية الخيالية هي في الحقيقة الوقود التي تُشعل وتشغل شاعرية الشاعر والهتاف السماوي الكبير للأديب الحقيقي نحو الأدب الجميل واللغة التي تعشقها الفطرة السليمة في أصحاب الاذواق المرهفة ! وهي جواز العبور نحو قلوب الناس وعقولهم ! ونحو الخلود الأدبي الكبير ! .
والشاعر الكبير العربي اليمني الكبير عبدالله البردوني رحمه الله تعالى رحمة واسعة واسكنه الله تعالى فسيح جناته له من التجارب الشعرية والقصائد العطرية الرومانسية النفيسة ! والتي عطّرها وطرزها بأثواب وأعباق الطبيعة ! بل كانت كل تلك القصائد الشعرية رسوماً جميلة للطبيعة الجميلة في خيالات الشاعر الكبير !
 الطبيعة الساحرة التي تشربها الشاعر في طفولته الغضة وبقيت حاضرة حيّة جميلة تقود إبداعه الشعري وترسم نفسها من أنفاس قصائده الجميلة !
رغم أن الشاعر العربي الجميل أصيب بالعمى في ريان شبابه الغض !
ففي قصيدته الشهيرة ( سحر الربيع)  يقول شاعرنا الجميل :
رصّع الدنيا أغاريد و شعرا
              و تفجر يا ربيع الحبّ سكرا
وافرش الأرض شعاع و ندى
         و ترقرق في الفضا سحرا و إغرا
يا ربيع الحبّ لاقتك
           المنى تحتسي من جوّك سحرا
يا عروس الشعر صفّق
       للغنا ترقص في ضفاف الشعر كبرا!
وهو يرحل بنا في عوالم جمال الطبيعة الخلاب ويرسم صورا بديعة وكأنه يشاهدها رأي العين  فيقول :
فهنا الطير تغنّي و هنا جدول
                  يذري الغنا ريذا و طهرا
و صبايا الفجر في حضن
        السنا تنثر الأفراح و الإلهام نثرا
و السهول الخضر تشدو و الربّا
        جوقة تجلو صبايا اللّحن خضرا
فكأنّ الجو عزفٌ مسكرٌ
        و الحياة الغضّة الممراح سكرى
و كأنّ الورد في أشواكه
           مهج أذكى عليها الحبّ جمرا
و كأنّ الفجر في زهر الربا
               قبلةٌ عطريّةُ الأنفاس حرّى!!
نعم إنها ريشة فنان كبير  يصور لنا الطبيعة وما فيها من جمال ويتمثل الشاعر طائر  الربيع بعد ما سحره الربيع نفسه فيتقمص دور الطيور في شهر جمال العام و وجوهىة الفصول فيبدأ بحاور عجيب  وتساؤلات بردونية في صور درامية نفيسة وحبكة
 قصصية بديعة قائلا للطائر  :
يا شاعر الأزهار و الأغصان
        هل أنت ملتهب الحشا أو هاني؟
ماذا تغنّي ، من تناجي في
     الغنا و لمن تبوح بكامن الوجدان ؟
هذا نشيدك يستفيض صبابة
           حرّى كأشواق المحبّ العاني
في صوتك الرقراق فنّ
      مترف لكن وراء الصوت فنّ ثاني
كم ترسل الألحان بيضا
      إنّما خلف اللّحون البيض دمع قاني
هل أنت تبكي أم تغرّد
 في الربا أم في بكاك معازف و أغاني؟
إن البردّوني يؤسس لمدرسة قصصية بديعة ويشعرن الدراما ويمسرح الشعر في حوار جميل بديع وتساؤلات هو في الشعر الحديث أستاذها الأوحد وعرابها الكبير.
ويقف في إلتفاته شاعرية بديعة قائلا لطائر الربيع ومادحا لشجاعته الفريدة وقهره لعوالم الخوف :
يا طائر الإلهام ما أسماك عن
          لهو الورى و عن الحطام الفاني
تحيا كما تهوى الحياة مغرّدا
                مترفّعا عن شهوة الأبدان
لم تستكن للصمت ؛ لم تذغن
     له بل أنت فوق الصمت و الإذغان
هذي الطبيعة أنت شاعر
        حسنها تروي معانيها بسحر بيان
ترجمت أسرار الطبيعة
            نغمة أبديّة في صوتك الرنّان
و عزفت فلسفة الربيع
   قصيدة خضرا من الأزهار و الريحان!
إن هذا اللون من شعر البردّوني ظهر ملازماً له في بداياته الشعرية ! فأسلم الشاعر للبيان الشعري قيادته ! فهو يتجول في الطبيعة الجميلة المغروسة فيه والتي تشبّع بها شاعرنا فأخرجت للناس عددا من القصائد الشعرية الجياد والجميلة في عوالم الطبيعة.
وهي حقيقة من عرائس الشعر العربي الحديث ومن جواهر البيان الشعري ونفائس ما قاله الشعراء في العصر الحديث !
 بيد أن تلك القصائد الشعرية الطربية الراقصة والتي تصور العوالم الرومانسية للحياة الطبيعية ! لم تجد أذناً ذائقة من الملحينين المرهفين أو الفنانين المبدعين لينقلونها إلى الناس ! ولو كان ذلك لهم !،   لكانت كل قصائد الشاعر العربي الكبير عبدالله البردّوني على كل لسان عربي جميل يتغّنى بها ! ويطرب لها ! ويعيش معها الشابات والشباب الذين هم اليوم في أمس الحاجة إلى مثل تلك القصائد الجميلة لإصلاح أذواقهم وعواطفهم وقيادة مشاعرهم نحو الطبيعة والجمال الطبيعي الفتان !

المصلح والمستشار الأسري 

د.سالم بن رزيق بن عوض

د. سالم بن رزيق بن عوض

أديب وكاتب رأي وشاعر ومصلح ومستشار أسري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى