رحيق الكلمات
( الإيمان في شعر إيّلّيا أبوماضي )
( الإيمان في شعر إيّلّيا أبوماضي )
في رحلة الإنسان الأديب شعرا أو نثرا والمراحل التي تمر به ويمر بها! وما يتعرف عليه بالتجارب والتحارب في ميدان الحياة الفسيح ! وما يغرسه الأبوان الكريمان والأسرة الكريمة ! وما تبقيه المدرسة والجامعة والمسجد أو المعبد في تشكيل تصوراتنا وعقائدنا! وما تُبنى عليها من صريح المبادىء وفضائل الأخلاق !.
وما يظهر على الإنسان الأديب في ظواهر الأقوال والأفعال في بقية مسيرته في الحياة العريضة !
هو في الحقيقة إنعكاس لذلك الغراس الذي غرس فيه ! وتلك السقيا التي شربها في غضارة عمره وطفولة ردنه!
وشاعر المهجر الكبير إيلّيا أبوماضي من الشعراء الذين بثوا ما يعتقدونه في الكون والحياة والإنسان في نفائس شعرهم وجمال قصائدهم !
فقد كان مصوراً ورساماً بارعاً في تصوير ورسم المعاني والمباني في القصيدة الشعرية ! وكذلك في تفهم القضايا الإنسانية ومعالجتها في قصائده السائرة !
من الأدوار والمهام التي قد يتقنها الشاعر الأديب هو المحامي البارع في فهم القضايا والتحديات وتبني الحلول المبتكرة ! والترافع من أجل إحقاق الحق الذي يراه ! بل والتمكن من أشعال شمعة في الطريق الطويل ليرى الناس تلك الطرق والمسارات الجميلة في الحياة .
ولنستمع إلى الشاعر العربي الكبير وشاعر المهجر العظيم إيليا أبو ماضي وهو يصرخ في قصيدته (لم أجد أحداً…)بصوت عال قائلاً :
ما قيمة الإنسان معتقدا
إن لم يقل للناس ما اعتقدا ؟!
و الجيش تحت البند محتشدا
إن لم يكن للحرب محتشدا ؟
ماذا يفيد الصوت مرتفعا
إن لم يكن للصوت ثمّ صدى ؟!
و النور منبثقا و منتشرا
إن لم يكن للناس فيه هدى ؟!
إنه لا يستطيع كتم ما يملك من الفضائل والمبادئ التي تخدم الإنسان والتي تساهم في رفع فهمه ومستواه كما أن الطبيعة لا تستطيع أن تتجاوز عن جمالها وعبقها!. ثم لا يرى للإنسان قيمة إذا فقد معتقده ومبدأه إما بعدم الإلتزام به أو أن يغضي خجلا فلا يدافع عنه ويظهره للناس.
إنه العطاء الذي يراه أبوماضي فيقول في قصيدة أخرى :
خذ ما استطعت من الدنيا و أهليها
لكن تعلّم قليلا كيف تعطيها
كم وردة طيبها حتّى لسارقها
لا دمنه خبثها حتّى لساقيها
أكان في الكون نور تستضيء به
لو السماء طوت عنّا دراريها؟
أو كان في الأرض أزهار لها أرج
لو كانتا الأرض لا تبدي أقاحيها ؟
إن الطيور الدمى سيّان في
نظري الورق إن حبست هذي أغانيها
إن كانت النفس لا تبدو محاسنها
في اليسر صار غناها من مخازيها !
إنّ هذه القوة في العطاء التي يملكها الإنسان هي حقيقة صور من صور عطاءات الكون صور من عطاءات الله تعالى المعطي الحقيقي الذي عليك أن تؤمن بما وهبك وأعطاك وأن تسخر كل ذلك في محبة الخلق وصلاحهم.
ها هو يقول لفئام من السادرين الغافلين :
قال قوم : إنّ المحبّة إثم !
ويح بعض النفوس ما أغباها
إنّ نفسا لم يشرق الحبّ فيها
هي نفس لم تدر ما معناها
خوّفوني جهنّما و لظاها
أيّ شيء جهنّم و لظاها ؟
ليس عند الإله نار لذي
حبّ !و نار الإنسان لا أخشاها !
أنا بالحبّ قد وصلت إلى
نفسي ،و بالحبّ قد عرفت الله !
الرحلة في ملكوت السموات والأرض ومظاهر الحياة الموارة الجميلة ومراحل الإنسانية المختلفة كل ذلك محطات للإيمان وعودة العقول الغافلة والنفوس المريضة السادرة والأبصار الكليلة إلى وحي السماء وعظمة الملك القدوس.
وهنا يقول إيليا أبوماضي :
تحسب المجد ما عيناك أبصرتاأو
ما ملكت هو السلطان و الجاه
المال مولاك ما أمسكته طمعا
فانفقه في الخير تصبح أنت مولاه
ما دام قلبك فيه رحمة لأخ
عان ، فأنت امرؤ في قلبك الله !!
فمادام الإنسان يرحم الإنسان ويعطف عليه ويعينه ويدافع عنه بالمخلب والناجذ فهذا هو الإنسان الحر الذي رضي بالله العلي العظيم وساعد في حرية الإنسان :
حرّ ومذهب كلّ حرّ مذهبي
ما كنت بالغاوي ولا المتعصب
أني لأغضب للكريم ينوشه
من دونه وألوم من لم يغضب
وأحبّ كلّ مهذب لو أنّه
خصمي، وأرحم كلّ غير مهذب
يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى
حبّ الأذية من طباع العقرب
لي أن أردّ مساءة بمساءة
لو أنّنِي أرضى ببرق خلب
حسب المسيء شعوره ومقاله
في سرّه : يا ليتني لم أذنب!
وهو في قصيدته الرائعة (الطلاسم) :يتسائل ويسأل ويطرح أسئلة الفطرة التي تتحرك بها الإلسنة في جميع الأجناس البشرية بحثاً عن الأجوبة الحقيقية ومن يتصدر للإجابة العملية في ميدان حياة الإنسانية يحول المزاعم إلى واقع رحيم بالإنسان متناغم مع حركة الكون والملكوت الأعظم.
لي إيمان ولكن لا
كأيماني ونسكي
إنّني أبكي ولكن
لا كما قد كنت أبكي
وأنا أضحك أحيانا
ولكن أيّ ضحكي !
ليت شعري ما الذي بدّل أمري؟
لست أدري!

