كُتاب الرأي
(نفتح بث)
(نفتح بث)
……………
ظاهرة دخيلة علينا حديثاً لم تكتمل أعوامها على عدد أصابع اليد ، مزعجة اكتسحت المجتمعات المختلفة ، تُنذر بخطر كبير وخلل أكبر على مستوى الفرد والمجتمعات أجدها ظاهرة غير صحية نفسياً وبدنياً وعقلياً ولا تنتسب للأخلاقيات في شيء ، هادمة وليست بناءة للمجتمع ، إنها ظاهرة البث المباشر على بعض تطبيقات التواصل الإجتماعي..
يراها البعض من جانب الترفيه والتواصل ولكن سلبياتها أصبحت جلية واضحة تؤثر بعمق على الأفراد والمجتمعات..
مخاطرها السلبية على الفرد القائم عليها -نفسياً- كبيرة جداً وعميقة فقد تم تُصميمها بشكل محفزة مما تُسبب الإدمان وإهدار ساعات طويلة في المتابعة المستمرة لجذب المشاهد لوقت طويل ، هذا يؤدي إلى القلق والاكتئاب والتوتر ، كما أن المقارنة المستمرة بحياة مثالية وهميّة ، اعتماد صاحب البث على الإشعارات الفورية يخلق حاجة ماسّة للتقدير الخارجي ، فيصبح احترام الذات رهيناً بعدد المشاهدات وهذا خطر نفسي كبير على صاحب البث ، إضاعة الوقت دون هدف مُحدد ، عدم وجود محتوى ذو قيمة يقدمه الفرد صاحب البث لأنه ببساطة غير مؤهل وليس لديه أفكار جاذبة لها صداها وأثرها ، فهو يعتمد على التفاهات ويستند على الضحك والتهريج والإثارة ، وقد ينهار صاحب البث نفسياً في حالة عزوف المشاهدين عنه ، أو في حالة وصولة لمرحلة عدم وجود شيء يقدمه أو دخوله في حالة اكتئاب بسبب كثرة الضغط والارهاق المتواصل من أجل ارضاء المشاهدين وعدم خسارتهم ، ولهذه الاسباب تم تسجيل حالات انتحار كثيرة في مجتمعات متعددة لأصحاب بث متنوعين ، الكثير منهم قاموا بمحاولة الانتحار أثناء البث أمام المشاهدين..
ومن سلبيات البث المباشر على الفرد صاحب البث -التدهور الأخلاقي والسلوكي- لأن السعي وراء المشاهدات يدفع الكثيرين لتجاوز الخطوط الحمراء ، محتوى خطير أو مبتذل لأجل “الهدايا” المالية ، مما يخلق ثقافة الربح السهل بلا قيمة حقيقية ، ويجرّد الشخص من كرامته تدريجياً ، ويصبح حالة مغايرة لا تعكس ثقافتهُ ولا أسرتهُ ولا مجتمعهُ ولا حتى يعكس صورة حقيقية عن توجههُ الديني ولا صورة مشرّفة عن وطنه والمكان الذي ينتمي له..
ومن سلبياته أيضاً -الخسائر المالية- حيث ينجرف البعض في فخ المقامرة الرقمية عبر إرسال هدايا افتراضية باهظة الثمن ، أو يقعون ضحية لعمليات احتيال عبر تبرعات وهمية ، هذا الاستنزاف المالي يكون مدمراً على المستوى الشخصي والأسري لصاحب البث..
كما أن صاحب البث يقع في خطر -اضطراب الهوية- فهو من أجل الشهرة والاستمرارية نجدهُ ينسى من هو ، ويبتكر لهُ هويّة جديدة لأرضاء المشاهد فيقع في فخ طمس الهوية الحقيقية وتقمص هوية لا يرتضيها بعيدة كل البعد عن أخلاقياته ومبادئه ، فقط من أجل جذب المشاهد..
ومن السلبيات التي يقع فيها صاحب البث المباشر -كشف الخصوصية- قد يكشف تفاصيل حساسة (عنوان المنزل ، أفراد الأسرة) بقصد أو بدون قصد ، مما يُعرّض نفسه وأسرته لخطر الابتزاز أو التحرش..
ننتقل إلى سلبيات البث المباشر على المشاهد المُتلقي داخل المجتمع أبرزها -ترسيخ ثقافة الاستهلاك والمظهر- حيث تتحول القيم إلى سلعة ، يُروَّج لنمط حياة قوامه التبذير والتفاخر بالعلامات التجارية ، مما يخلق إحباطاً جماعياً لدى من لا يستطيع مجارات الوضع ويطحن الطبقة الوسطى في سباق استهلاكي مرهق..
ومن سلبياته على المشاهد -تشويه مفهوم العمل والنجاح- عندما يصبح راقص أو صاحب محتوى تافه “مؤثراً” يجني آلاف من العائدات المالية في ساعة ، بينما يكافح المعلم أو الطبيب أو المهندس ، هُنا تتشوه منظومة القيم لدى الشباب ليصبح المال السريع هو الهدف الأسمى وتُهمل المهن الجوهرية..
من سلبياته على المشاهدين -انحدار الذوق العام- تنتشر أثناء البث المباشر أساليب التنمر ، الإثارة الرخيصة من شتائم ، والجذب عبر الصدمة كوسيلة طبيعية للفت الانتباه ، التهريج والضحك على أتفه الأمور ، هذا يخفض سقف الذوق العام ويعتدي على الحياة المجتمعية بحجة “حرية التعبير”..
من سلبياته -تهديد التماسك الأسري- قد يكون أفراد الأسرة الواحدة في مكان واحد ، لكنهم في عوالم رقمية منعزلة تماماً ، يقضي كل فرد وقته في مشاهدة بث يخصه ، مما يقتل الحوار الأسري والدفء العاطفي وتقارب الأفكار والمشاعر والإحساس ببعضهم البعض..
ومن أسوء السلبيات -تزييف الوعي الجمعي- عندما تتحول منصات البث إلى مسرح للشائعات ونظريات المؤامرة ، فصانع محتوى بلا أي خلفية طبية أو علمية قد يؤثر على ملايين بمعلومة صحية كارثية ، أو يُروّج لخطاب كراهية عنصرية يصل صداها إلى آلاف البيوت فورياً ، مسببة لخلل مجتمعي كبير ..
ظاهرة البث المباشر ظاهرة كارثية بمثابة مرآة تعكس واقعاً معقداً ، أجدها شراً مطلقاً ، الاستخدام غير الواعي يحولها إلى أداة تفكيك على المستوى النفسي والاجتماعي والأخلاقي وهادمة للمبادئ والقيم الإنسانية..
لكل واعي (أغلق البث)..
…………….
الكاتبة:أحلام أحمد بكري


