كُتاب الرأي

(عين ناقدة)

(عين ناقدة)
……………..
العين الناقدة تحيط بنا من كل الجهات، ونجدها في كل مكان في محيط المجتمع؛ كالعمل، والأماكن العامة، والمناسبات الاجتماعية، وتجمعات الأصدقاء والعائلة، وحفلات الفرح، وأماكن الحزن والعزاء. من يمتلك هذه العين شخصية غير مرغوب فيها، تزعج الآخرين وتضر بهم قبل أن تضر نفسها.
حديثي في هذا المقال عن الشخص الانتقادي؛ من يرى نصف الكأس الفارغ ولا يرى الممتلئ، من يرى السواد ولا يلفت نظره البياض، ولا مكان للمنطقة الرمادية في حياته. شخص مزعج لا يتقبله الناس، ويتحاشونه كثيراً بسبب كلامه الجارح؛ لأنه يميل إلى التركيز على الأخطاء والعيوب والنواقص في كل شيء تقريباً، سواء في الأشخاص أو المواقف أو الأشياء. هذا التركيز ليس عابراً أو مرتبطاً بموقف محدد، بل هو سمة ثابتة وطريقة تفكير معتادة منه.
الشخصية الناقدة لديها عدة (صفات) تمتلكها، و(دوافع) مختلفة للنقد تختلف حسب نظرتها وتوجهها. فمثلاً، الدافع الأساسي عندها ليس الحقد بالضرورة، بل قد يكون نابعاً من رغبة في تصحيح الأمور. وقد تكون الدوافع: (فكرية إدراكية) كالبحث عن الخطأ كأولوية، فلا ترى الإنجاز بل تبحث فوراً عن الثغرة أو الخطأ، وهذا ما نسميه التفكير بالأبيض والأسود؛ إما أن يكون الشيء مثالياً أو فاشلاً، ولا توجد منطقة وسطى رمادية كما قلنا سابقاً. شخصية (سلبية)، خطأ واحد أو عيب واحد يكفي لإصدار حكم كلي سلبي على الشخص أو الموقف. شخصية لديها (جمود معرفي)، لديها قناعات وقواعد صارمة عن “الصواب والخطأ”، تجد صعوبة في تقبل وجهات النظر المختلفة ولا تمتلك صفة المرونة. (عاطفياً نفسياً)، هو شخص في حالة عدم رضا مزمن، متذمر وليس قنوعاً، وهذا يجعله شخصاً تعيساً في كل أوقاته، لا يشعر بالامتنان؛ فبدل أن يقول: “شكراً على هذا العمل الجيد”، سيقول: “لماذا لم تفعل ذلك الجزء أيضاً؟” أو “كان من الممكن أن يكون أفضل لو…”. لديه حساسية مفرطة من النقد، فرغم قسوته في انتقاد الآخرين، هو هش ولا يتحمل أن يوجه إليه أي نقد، وقد يغضب أو ينسحب. لديه خوف دفين من الفشل، فالمقاييس التي يلاحظها على الآخرين في نقده هي انعكاس للتي يتمنى تطبيقها على نفسه. هو يخاف من أن يكون “غير كافٍ”، فيسقط هذا الخوف على من حوله.
الشخصية الناقدة (سلوكياً اجتماعياً) لديها صفة عدم اللباقة، توجه انتقاداتها بشكل مباشر وجارح دون مراعاة للمشاعر، تحت شعار “أنا صريح”. فهو محبط للآخرين، والتعامل معه مرهق لأنه يشعر من حوله بأنهم تحت المجهر، وأن جهودهم غير كافية، ويقتل الحماس والإبداع في المحيطين به. لديه تأثير سلبي على المحيطين به، يخلق جواً من الخوف والتوتر، ويضعف الثقة، ويشعر الطرف الآخر بعدم الأمان والتقدير ، وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم حذر من هذا الشخص الانتقادي قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه).
وهنا يجب أن أشير إلى الفرق بين النقد (البناء) والنقد (الهادم)؛ الأول يركز على حل المشكلة وتطوير الشخصية أو الحدث، النقد البناء يُبنى على الاحترام ويهدف للمساعدة، بينما الثاني الهادم الانتقادي يركز فقط على إصدار حكم سلبي على الشخص نفسه أو الحدث. الانتقاد المزمن يُبنى على الجحود والنفي ويهدم العلاقات.
نعود للشخصية الانتقادية لنفتش عن خباياها، وما الذي جعلها بهذا الشكل، لنجد عدة أسباب منها: تربية قاسية، ووجوده في بيئة يتعرض فيها لنقد لاذع ومستمر، البحث عن الكمال كخوف مرضي من ارتكاب الأخطاء يجعله يرى الأخطاء في كل مكان، انعدام الأمان الداخلي، بتصيد عيوب الآخرين ليشعر مؤقتاً بتفوق وقيمة أعلى لنفسه المتصدعة من الداخل.
الإنسان الانتقادي ليس مجرد شخص “صعب الإرضاء”، بل هو شخص يعيش في سجن معاييره المتطرفة، ويجعل من حوله يعانون معه.
وختاماً العين الناقدة، اجعلها لنفسك كي تعالج بها عيوبك وتحسن من شخصيتك وحياتك. دع الخلق للخالق..
……………

الكاتبة: أحلام أحمد بكري

‫‬

أحلام أحمد بكري

أديبة سعودية وكاتبة رأي وقاصة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.