كُتاب الرأي

*صناعة الفوضى… وإنتاج الإستقرار*

*صناعة الفوضى… وإنتاج الإستقرار*

*رؤية تحليلية استراتيجية*

*الجمعة الموافق( 17 ) يوليو 2026م* .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي

الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

*تكشف الحروب الممتدة حقيقة استراتيجية لا يمكن إخفاؤها طويلا، وهي أن أخطر القوى ليست تلك التي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية، بل تلك التي تحول الفوضى والإرهاب والفساد إلى منهج دائم، وتجعل الأزمات ( الهجومية ) المتنقلة وسيلة لحماية مشروعها السياسي وتوسيع نفوذها خارج حدودها. ومن هذه الزاوية تحديدا ينبغي قراءة سلوك النظام الإيراني، لا بوصفه ردود فعل متفرقة على ضغوط خارجية، وإنما بوصفه مسارا منظما أعتمد طوال عقود على تصدير الكوارث ، وإضعاف الدول من الداخل، وتسليح التنظيمات الإرهابية الموالية له، ثم إستخدام نتائج الفوضى أوراقا للتفاوض والمساومة والابتزاز*.

هذا النمط لم يبدأ مع المواجهة الحالية، ولم يظهر بسبب ضربة عسكرية أو عقوبة اقتصادية حديثة، بل تأسس منذ قيام النظام عام( 1979 ) ، حين نقل مفهوم ما يسمى بالثورة الخمينية سيئة الصيت من المجال الداخلي إلى مشروع عابر للحدود. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الميليشيات المجرمة المسلحة، والاغتيالات، وشبكات التهريب، والحروب بالوكالة، والتعبئة الطائفية، أدوات متكاملة في سياسة الدولة الإيرانية. وقد دفعت شعوب عربية عديدة ثمنا باهظا لهذه السياسة في العراق وسوريا ولبنان واليمن …، وغيرها ، بينما تعرض أمن دول الخليج العربي وممراته البحرية وموارده الاقتصادية لضغوط متكررة تحت ذرائع وشعارات تتغير، فيما يبقى الهدف واحدا: فرض النفوذ من خلال إنهاك الدولة الوطنية وتقويض قدرتها على القرار.

المشكلة الحقيقية لم تعد في عدد الصواريخ التي يملكها النظام الإيراني، ولا في حجم منشآته العسكرية، بل في العقيدة التي توجه إستخدام هذه القدرات. فالدولة التي ترى إستقرار جيرانها عائقا أمام نفوذها، وتعد التنظيمات الإرهابية المسلحة إمتدادها الطبيعي خارج الحدود، لا يمكن التعامل مع تهديدها بوصفه خلافا دبلوماسيا عاديا. والجهة التي تستخدم منشآتها الرسمية وأجهزتها الأمنية والعسكرية لدعم تنظيمات ارهابية مسلحة عابرة للحدود، لا يكفي معها الاحتواء المؤقت أو التسويات التي تمنحها وقتا لإعادة بناء قوتها واستئناف نشاطها.

المواجهة الجارية أثبتت أن الصبر الدولي الطويل لم يدفع النظام الإيراني إلى مراجعة سلوكه، بل منحه فرصة أوسع لتطوير أدواته. وكل هدنة لم تقترن بتفكيك مصادر التهديد تحولت إلى فترة لإعادة التسليح. وكل اتفاق لم يضع حدا للتمويل والتدريب والتهريب تحول إلى غطاء لاستمرار المشروع ذاته بوسائل جديدة. ولهذا، فإن إستمرار التعامل مع الاعتداءات الإيرانية بوصفها حوادث منفصلة يمثل خطأ استراتيجيا، لأن الصاروخ الذي يطلق من اليمن، والسلاح الذي يهرب إلى جماعة إرهابية مسلحة، والهجوم الذي يستهدف سفينة تجارية، والخلية الإرهابية التي تنشط في دولة عربية، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في نظام عمل واحد تديره قيادة واحدة وتخدم غاية سياسية واحدة.

الحزم المطلوب تجاه هذه الاعتداءات لا يعني الاندفاع غير المحسوب نحو حرب مفتوحة، وإنما يعني إنهاء مرحلة التردد في تحديد المسؤولية. فلا يجوز أن تبقى الأذرع الإرهابية المسلحة واجهة تتلقى الرد وحدها، بينما يظل المركز الذي يمولها ويدربها ويوجهها بعيدا عن المساءلة. ولا يصح أن تتحمل الدول المعتدى عليها كلفة الدفاع وحماية الملاحة وتأمين منشآتها، ثم يجري الضغط عليها لضبط النفس، في الوقت الذي يمنح فيه النظام الإيراني مساحات متكررة لإعادة إنتاج التهديد.

الردع الفعال يبدأ عندما يدرك المعتدي أن إستخدام الوكلاء الإرهابيين لن يعفيه من المسؤولية، وأن الهجوم غير المباشر سيقابل بكلفة مباشرة، وأن تهديد أمن الطاقة أو الملاحة الدولية لن يعامل باعتباره ورقة تفاوض، بل إعتداء على المصالح الجماعية للمجتمع الدولي. كما يبدأ الردع عندما تتكامل الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والقانونية والاستخباراتية، فلا تبقى العقوبات منفصلة عن الموقف الأمني، ولا تبقى الضربات العسكرية معزولة عن مشروع سياسي واضح يمنع إعادة بناء القدرات المهددة.

أما الشعب الإيراني المغلوب على أمره ، فهو أول من دفع ثمن هذا المسار . فقد أستنزفت موارده في مشروعات التوسع الخارجي، ووجهت ثرواته إلى الحرس الثوري والتنظيمات الإرهابية المرتبطة به، بينما ظلت إحتياجات التنمية والاقتصاد وجودة الحياة رهينة أولويات أيديولوجية لا تخدم مستقبله. ومن المهم التمييز بوضوح بين الشعب الإيراني بوصفه شعبا صاحب تاريخ وحضارة، وبين النظام الذي أختار أن يجعل الصراع الخارجي وسيلة لحماية بنيته الداخلية وإطالة بقائه.

*وفي الطرف المقابل، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا مختلفا في مفهوم القوة والنفوذ. فالمملكة لا تبحث عن نفوذ يقوم على الميليشيات، ولا تصنع حضورها عبر إنهيار الدول، بل تبني مكانتها من خلال دعم الاستقرار، وحماية السيادة، وتأمين طرق التجارة والطاقة، والمشاركة في الوساطات، وتقديم التنمية بديلا عن الفوضى. وهذا الفارق ليس أخلاقيا فقط، بل استراتيجيا أيضا، لأن النفوذ الذي ينتج الاستقرار يبقى، أما النفوذ الذي يقوم على الخوف والسلاح المنفلت فينهار بمجرد أن تتغير موازين القوة.*

ومن هنا، فإن أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي لا يمكن أن يبقى رهينة ردود فعل متفرقة على كل إعتداء جديد. المطلوب بناء منظومة ردع جماعية ترى التهديد في صورته الكاملة، وتربط بين الأمن البحري والجوي والصاروخي والسيبراني والاستخباراتي، وتتعامل مع التنظيمات الإرهابية التابعة للنظام الإيراني بوصفها أجزاء من منظومة واحدة. كما ينبغي تعزيز العمل الدولي لتجفيف مصادر التمويل، وإغلاق مسارات التهريب، وملاحقة الشبكات المالية واللوجستية، وفرض كلفة متصاعدة على كل جهة تسهم في إستمرار هذا المشروع.

التسوية السياسية تظل هدفا عقلانيا، لكنها لا تنجح مع طرف يقرأ ضبط النفس ضعفا، ويستخدم الحوار لشراء الوقت. فالدبلوماسية القوية لا تتعارض مع الردع، بل تستمد فاعليتها منه. والمفاوضات التي لا تستند إلى ميزان واضح من القوة والمساءلة تتحول إلى وسيلة لإدارة الأزمة لا حلها. لذلك، فإن أي مسار سياسي جاد ينبغي أن يبدأ من وقف الاعتداءات، وتفكيك شبكات السلاح الخارجة عن سلطة الدول، وإنهاء دعم التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة بالنظام الإيراني، وضمان حرية الملاحة في الخليج العربي والممرات البحرية الدولية دون تهديد أو ابتزاز.

*وبين أزيز الصواريخ ودوي الانفجارات، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحا أن المنطقة لا تحتاج إلى هدنة قصيرة تمنح التهديد فرصة جديدة، بل إلى نظام أمني يمنع عودته. فالمشكلة لم تعد في جولة عسكرية يمكن وقفها باتفاق مؤقت، وإنما في مشروع أستمر قرابة نصف قرن لأنه لم يواجه حتى الآن باستراتيجية دولية متماسكة تعالج جذوره وأدواته ومصادر تمويله.*

*وقد تعلمنا الحروب أن 【التسامح مع الإعتداء لا يصنع سلاما، بل يؤجل الحرب إلى موعد يختاره المعتدي】.*

*وتعلمنا كذلك أن 【الدولة التي تحارب بأذرعها الإرهابية يجب أن تتحمل مسؤولية ما ترتكبه تلك الأذرع】.*

*كما تعلمنا أن 【الردع الحقيقي لا يمنع الضربة الأولى فقط، بل يمنع الخصم من التفكير في الضربة التالية】.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.