كُتاب الرأي

ستون عامًا من الضياع… فمتى يستيقظ الحضارم؟

ستون عامًا من الضياع… فمتى يستيقظ الحضارم؟

ليست كل المعارك تُقاس بمن انتصر عسكريًا، ولا كل القضايا تُحسم بعدد الشعارات التي تُرفع في الساحات. فهناك معارك أخطر، تُحسم في وعي الشعوب، وفي قدرتها على التمييز بين من يستثمر في مستقبلها، ومن يستثمر في استمرار مأساتها.

ومن يتأمل واقع المنطقة خلال العقود الماضية، يجد حقيقة يصعب إنكارها؛ أن المشاريع السياسية المتصارعة استنزفت الإنسان والأرض، بينما بقي المواطن يدفع الثمن وحده.

في الشمال، دفعت الجماهير ثمن الحروب والانقسامات والدمار، ومع ذلك بقي كثيرون متمسكين بقياداتهم رغم ما آلت إليه أوضاعهم.

وفي الجنوب، لم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا؛ إذ لم تحقق الصراعات المتلاحقة الاستقرار المنشود، واستمرت الأزمات الاقتصادية والخدمية والسياسية، ومع ذلك بقي الولاء الحزبي أقوى من مراجعة النتائج.

أما حضرموت، فقد وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة تمامًا.

فهي ليست طرفًا في صراع بدأته، لكنها كانت من أكثر الأطراف التي دفعت ثمنه.

على مدى ما يقارب ستة عقود، تعرضت حضرموت لتغييرات سياسية واقتصادية عميقة، وتعرضت مواردها للاستنزاف، وتراجعت قدرتها على إدارة شؤونها بنفسها، بينما بقي القرار الحقيقي في كثير من الأحيان خارج إرادة أبنائها.

واليوم، عندما يرتفع صوت يطالب بأن يكون القرار الحضرمي بيد الحضارم، وأن تُدار ثروات حضرموت لصالح أهلها، وأن تستعيد المحافظة مكانتها وكرامتها ودورها التاريخي، يجد هذا الصوت نفسه في مواجهة حملات تشويه وضغوط من أطراف متعددة، وكأن مجرد المطالبة بحقوق حضرموت أصبح تهمة.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي:

إذا لم يدافع الحضارم عن حقوق حضرموت… فمن سيدافع عنها؟

وهل يُعقل أن ينتظر أبناء حضرموت من القوى المتنافسة أن تمنحهم ما لم تمنحه طوال العقود الماضية؟

التاريخ يعلمنا أن الحقوق لا يحافظ عليها إلا أصحابها، وأن الشعوب التي تتنازل عن قرارها، تتنازل تدريجيًا عن مستقبلها أيضًا.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس الخصم الخارجي، بل انقسامها الداخلي، لأن الانقسام يجعل الآخرين يتفاوضون على مستقبلها وهي غائبة عن الطاولة.

ولذلك، فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة تخوين أو تصفية حسابات، بل مرحلة وعي سياسي، يدرك فيها كل حضرمي أن وحدة الصف حول المصالح العليا لحضرموت ليست خيارًا عاطفيًا، وإنما ضرورة تاريخية.

إن حضرموت ليست غنيمة يتنافس عليها الآخرون، وليست ورقة تفاوض في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، بل هي وطن يمتلك تاريخًا وهويةً وإمكانات تؤهله لأن يكون صاحب قراره، وأن يبني مستقبله بإرادة أبنائه.

قد تختلف الآراء حول الوسائل، وقد تتباين الرؤى حول الحلول، لكن الهدف يجب أن يبقى واحدًا: حماية حضرموت، وصون كرامة أهلها، والحفاظ على ثرواتها، وتمكين أبنائها من رسم مستقبلهم بأنفسهم.

فالحياد في القضايا المصيرية ليس دائمًا موقفًا آمنًا، والصمت الطويل قد يتحول إلى موافقة غير مقصودة على استمرار الواقع.

ولهذا، فإن اللحظة الراهنة تستدعي من كل حضرمي أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:

إذا لم نكن نحن أصحاب القرار في حضرموت… فمن سيكون؟

✍️ بقلم: مهندس صالح بن سعيدالمرزم
18 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.