*الأوبريت السعودي.. حين غنّى المسرح للوطن*

*الأوبريت السعودي.. حين غنّى المسرح للوطن*
بقلم أ.رياض الشهري
هناك أعمال فنية تنتهي بانتهاء عرضها، وأخرى تتحول إلى ذاكرة وطن. ومن هذا النوع كانت أوبريتات الجنادرية، التي لم تكن مجرد عروض احتفالية، بل مشروعًا مسرحيًا متكاملًا استطاع أن يرسخ مفهوم الأوبريت في المملكة، ويجعله أحد أبرز ملامح الاحتفال الوطني.
فالأوبريت في جوهره ليس لونًا غنائيًا فحسب، بل هو أحد أشكال المسرح الذي يلتقي فيه الشعر بالموسيقى، والغناء بالتمثيل، والإلقاء بالفنون الأدائية، وتتكامل فيه الديكورات والإضاءة والاستعراض لتقديم لوحة فنية واحدة، يكون الوطن فيها هو البطل الحقيقي.
ومع انطلاق مهرجان الجنادرية، بدأ هذا الفن يعيش عصره الذهبي. كانت الليلة التي يُعرض فيها الأوبريت موعدًا ينتظره السعوديون عامًا بعد عام، فتجتمع الأسر أمام شاشات التلفاز لمتابعة عملٍ جديد يحمل كلمات مختلفة، وألحانًا مبتكرة، ولوحات بصرية مبهرة، ورسائل وطنية صادقة. ولم يكن النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة، وعمل احترافي، وإيمان بأن الفن قادر على أن يعبر عن هوية الوطن كما تعبر عنها الكلمة والتاريخ.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول أوبريتات الجنادرية إلى حلم لكل شاعر وملحن ومطرب ومخرج. فمن يشارك فيها يضع اسمه في سجل الأعمال الوطنية الخالدة، لأنها كانت تجمع صفوة المبدعين، وتفتح باب المنافسة على تقديم الأفضل عامًا بعد عام، حتى أصبحت تلك الأوبريتات علامات مضيئة في تاريخ الفن السعودي، لا تزال تُستعاد وتُردد رغم مرور السنوات.
والأجمل أن أثرها لم يتوقف عند حدود الجنادرية، بل امتد إلى مختلف مناطق المملكة. فأصبح الأوبريت عنصرًا أساسيًا في الاحتفالات الوطنية التي تنظمها المناطق والمحافظات، كما وجد طريقه إلى المدارس والجامعات وإدارات التعليم، حيث أتاح للطلاب والشباب فرصة اكتشاف مواهبهم في الكتابة والتمثيل والإنشاد والإلقاء والاستعراض، مؤكدًا أن الفن الهادف قادر على صناعة جيل مبدع وواثق من نفسه.
لقد علمتنا تجربة الجنادرية أن الأعمال الخالدة لا تصنعها الإمكانات وحدها، وإنما يصنعها الإنسان المؤمن برسالته. فخلف كل أوبريت ناجح كانت تقف فرق عمل متجانسة، يجمعها الإخلاص قبل الموهبة، والطموح قبل الشهرة، والرغبة في تقديم عمل يليق باسم المملكة وتاريخها.
ويبقى الدعم الكبير الذي حظيت به هذه الأعمال من قيادتنا الرشيدة هو الركيزة الأساسية التي هيأت لهذا المشروع الوطني أسباب النجاح، حتى خرج بصورة مشرّفة عكست ثقافة المملكة وأصالتها، ووصلت رسائله إلى العالم بلغة الفن الراقية.
واليوم، ونحن نشاهد الأوبريت حاضرًا في معظم المناسبات الوطنية والتعليمية، ندرك أن ما زُرع في الجنادرية قبل عقود لم يكن عرضًا عابرًا، بل بذرة أثمرت في كل أنحاء الوطن. وهكذا يبقى الأوبريت السعودي شاهدًا على أن المسرح، حين يلتقي بالإبداع والانتماء، لا يقدم عرضًا فنيًا فحسب، بل يكتب فصلًا من فصول الذاكرة الوطنية.
كاتب مسرحي