كُتاب الرأي

[العظماء لا ينكسرون]

[العظماء لا ينكسرون]

أجد نفسي ممتناً ومطالباً بتقديم اعتذار صادق ورقيق لصحيفة آخر أخبار الأرض العزيزة، و لأعزائي القراء، عن غيابي القصير خلال الأسبوع الماضي. إن هذا الغياب العابر، على قِصره، لم يزدني إلا فخراً واعتزازاً بالانتماء إلى هذا الصرح الثقافي الذي منح كتاباتي فضاءً أعتز به ، فضاءً يتسع بمرور إشراقات الزملاء، وتفاعل الأصدقاء، ودعم الأقارب، ومتابعة القراء الذين تشاركني صفحات هذه الصحيفة شغف الكلمة معهم وتجعلني أثمن هذا التواصل الفكري المتبادل.
وعودةً إلى مرافئ الكتابة، أود أن أشارككم اليوم تأملاً فكرياً وإنسانياً، وهو في الحقيقة مستوحى بالكامل من صفحة من صفحات كتابي “نبذة”.
فكرةٌ طالما آمنت بها وسكبتها بين صفحات نبذة، تدور حول تلك اللحظات الثقيلة التي نمر بها جميعاً.. لحظات [الخيبة والانكسار].
تمر بنا في هذه الحياة مواقف نتلقى فيها صدمات غير متوقعة، سواء من أشخاص وضعنا فيهم ثقتنا المطلقة، أو من ظروف استثمرنا فيها أحلامنا.
للوهلة الأولى، يخيّل للعين المجردة أن الخيبة هي نقطة النهاية، أو الهاوية التي تكسر الفؤاد ولا نهوض بعدها. لكن الحقيقة والعمق الإنساني يخبراننا بعكس ذلك تماماً، فالخيبات ليست مجرد نهايات لطرق مغلقة، بل هي في كثير من الأحيان البوابة الوحيدة لرؤية أكثر وضوحاً ونضجاً، والركن الأساسي الذي تولد منه الصلابة.
إنها تلك اللحظات القاسية التي، رغم مرارتها، تأتي لتعيد ترتيبنا من الداخل، وتكشف لنا ما كان مخفياً عنا من حقائق ونوايا.
الخيبة تجرد الأشخاص والمواقف من الأقنعة والمجاملات، لتريك الناس على حقيقتهم كما يجب أن يُرَوا، لا كما كنت تتمنى أن تراهم.
بل إنها تذهب لأبعد من ذلك، إذ تجعلك ترى نفسك أنت شخصياً بشكل مختلف تماماً، تكتشف في داخلك قوة كامنة لم تكن تعلم بوجودها، وصلابة لم تكن لتختبرها لولا هذا المحك.
فالعلاقة بين الإنسان والألم علاقة تحول وتسامي، الإنسان لا يضعف بالخيبة إذا ملك الوعي، بل يقوى أكثر وأكثر، ويتحول ذلك الانكسار إلى درع يحميه في قادم الأيام.
لطالما كشف الفلاسفة غور هذه الحقيقة، فنجد الفيلسوف الألماني نيتشه يختصر هذا المعنى العريق في مقولته الخالدة: “ما لا يقتلني، يجعلني أقوى”.
وفي ذات السياق، يرى اليوناني أرسطو أن المعاناة هي المعلم الأول الذي يصقل فضيلة الشجاعة في النفس البشرية، إذ لا يمكن للإنسان أن يختبر شجاعته وثباته وهو في رغد دائم من العيش ودون أن يمر بـهزات تختبر عمق جذوره.
وإذا تأملنا سِيَر العظماء والناجحين عبر التاريخ، سنجد قاسمًا مشتركًا يربط بينهم جميعًا: معظم الناجحين لم يولدوا فوق قمم النجاح، بل بدأت رحلاتهم من قاع الانكسارات.
إن الصدمات الأولى هي التي فجّرت فيهم طاقات التحدي، والإصرار على إثبات الذات، وإعادة بناء الهوية من جديد.
فالنجاح ليس غياباً للفشل، بل هو الإصرار على النهوض بعد كل سقطة، وتحويل حطام الخيبة إلى جسر للعبور.
ولنا في سيرة المصطفى والقدوة، الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-، أعظم دليل ومستند بشرّي. لقد مرّ بأشد أنواع الانكسارات الإنسانية والاجتماعية؛ وُلِد يتيماً، وفقد أمه في طفولته، وجابهه قومه بالتكذيب والأذى والجهل، وطُرِد من أحب البقاع إلى قلبه، وفقد نصيره عمه أبا طالب وزوجته الحانية خديجة -رضي الله عنها- في عام واحد سُمي بـ “عام الحزن”. ومع كل هذا الركام من الآلام والانكسارات البشرية، لم ينكسر الهدى في قلبه، ولم يضعف عزمه، بل كان كل انكسار واضطهاد يزيده صلابة واستعصاءً على الهزيمة، حتى بنى أمة غيرت مجرى التاريخ الإنساني بأسره.
إنها الرسالة الإلهية لتعلمنا أن عِظم المنتهى يأتي من رحم المشقة والابتلاء في المبتدأ.
وكأن الخيبة في جوهرها، كما كتبت في “نبذة”، معلم قاسي الملامح، لكنه صادق التوجيه، يعلمك أين تضع قربك مستقبلاً، ومن هو الشخص الذي يستحق فعلاً أن تمنحه شيئا منك، ومن يستحق أن تضعه في المكانة التي تليق بعطائه.
وفي هذا السياق، يستحضرني قول الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “لا تُظهر الودّ لمن لا يرى منك إلا الخطأ”. وهي حكمة بليغة تختصر علينا عناء استنزاف مشاعرنا وصادق ودنا في وجهات خاطئة لا تقدر القيمة.
لذا، دعونا نتفق على قاعدة حياتية راسخة صغتها بين دفتي “نبذة” وأرددها معكم اليوم: الخيبات لا تُكسر الإنسان، بل تعيد تشكيل نظرته للحياة. إنها لا تأتي لتهدمنا، بل لتبني فينا وعياً جديداً يجعلنا أكثر حكمة، وأشد قوة، وأقدر على السير في دروب العمر بخطى ثابتة، وبصيرة نافذة لا تضل الطريق.

سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي- دكتوراه حوكمة المنظمات

 

 

الدكتور سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، ودكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

‫5 تعليقات

  1. دكتورنا المحبوب المبدع سلمت اناملك الذهبية كتبت لنا عبارات من الذهب .لك مستقبل زاهر و الى الامام .نسال الله ان يحفظك من كل مكروه

    1. تعليق محله القلب، وإشادة من دكتور يسبقني علما وفكرا وتجربة،
      شكرا لتواجدك وقراءتك دكتور حطاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.